وإبراهيم عليه السلام أتى بعده شرع كشف سرّه ، ونبيّنا صلى اللّه عليه وسلم لم يأت بعده شرع .
ويقال : نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم أخبر الحقّ عنه بقوله :
« آمَنَ الرَّسُولُ
« 1 »
. . . »
والإيمان هو العلم - وإخبار الحقّ سبحانه عنه أتمّ من إخباره بنفسه عن نفسه :
« عَلِمْتَ » *
.
ويقال : فرق بين موسى عليه السلام لمّا احتاج إلى زيادة العلم فأحيل على الخضر ، ونبيّنا صلى اللّه عليه وسلم قال له :
« وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
« 2 »
»
. . . فكم بين من أحيل في استزادة العلم على عبد وبين من أمر باستزادة العلم من الحق ! ! .
ويقال لمّا قال له
« فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
« 3 »
»
كان يأمره بالانقطاع إليه عن الخلق ، ثم بالانقطاع منه - أي من الرسول - إليه . . أي إلى الحق سبحانه . والعبد إذا قال هذه الكلمة على سبيل العادة والغفلة عن الحقيقة - أي كان بصفة النسيان - فليس لقوله كثير قيمة ؛ كأن تقال عند التعجب من شئ . . فليس لهذا قدر . أمّا إذا قالها مخلصا فيها ، ذاكرا لمعناها ، متحققا بحقيقتها . . فإن كان بنفسه فهو في وطن التفرقة . . وعندهم « 4 » هذا من الشّرك الخفيّ ، وإن قالها بحقّ فهو الإخلاص . فالعبد يعلم أولا ربّه بدليل وحجّة ؛ فعلمه بنفسه كسبيّ . . وهو أصل الأصول ، وعليه ينبنى كل علم استدلالي « 5 » ! ثم تزداد قوة علمه بزيادة البيان وزيادة الحجج ، ويتناقص علمه بنفسه لغلبات ذكر اللّه على القلب . فإذا انتهى إلى حال المشاهدة ، واستيلاء سلطان الحقيقة عليه صار علمه في تلك الحالة ضروريا . ويقلّ إحساسه بنفسه حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلاليّ وكأنه غافل « 6 » عن نفسه أو ناس لنفسه .
هامش
( 1 ) آية 285 سورة البقرة :« آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ».
( 2 ) آية 114 سورة طه .
( 3 ) هنا يفرق القشيري بين التوحيد المنطوق باللسان ، والتوحيد عند أرباب الحقيقة .
( 4 ) أي عند أرباب الحقائق ، لأن أي شعور بالغيرية نتيجة عدم الإخلاص نقص في التوحيد .
( 5 ) من هذا يتضح أن الصوفية لا يهملون العقل تماما بل يحترمونه في مرحلة البداية من أجل تصحيح الإيمان ، ولكنهم لا يعولون عليه تماما في بقية معراجهم الروحي . وهذا رد حاسم على من ينكرون على الصوفية علاقتهم بالعقل والعلوم العقلية .
( 6 ) في ص ( وكأنه قال ) وهي خطأ من الناسخ كما هو واضح من السياق بعده .