إمّا أبى مسعود الثقفي « 1 » أو أبى جهل ، وهذا أيضا من فرط جهلهم .
[ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 32 ]
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 )
أهم يقسمون - يا محمد - رحمة ربك في التخصيص بالنبوة ؟ أيكون اختيار اللّه - سبحانه - على مقتضى هواهم ؟ بئس ما يحكمون !
« نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ . . . . . »
فلم نجعل القسمة في الحياة الدنيا لهم . . . . فكيف نجعل قسمة النبوة إلى هؤلاء ؟ ! . . . . .
والإشارة من هذا : أن الحقّ - سبحانه - لم يجعل قسمة السعادة والشقاوة إلى أحد ، وإنما المردود من ردّه بحكمه وقضائه وقدره ، والمقبول - من جملة عباده - من أراده وقبله . . . لا لعلّة أو سبب ، وليس الردّ أو القبول لأمر مكتسب « 2 » . . .
ثم إنه قسم لبعض عباده النعمة والغنى ، وللبعض القلّة والفقر ، وجعل لكلّ واحد منهم سكنا يسكنون إليه يستقلون به ؛ فللأغنياء وجود الإنعام وجزيل الأقسام . . فشكروا واستبشروا ، وللفقراء شهود المنعم والقسّام . . فحمدوا وافتخروا .
الأغنياء وحدوا النعمة فاستغنوا وانشغلوا ، والفقراء سمعوا قوله :
« نَحْنُ »
فاشتغلوا « 3 » .
هامش
( 1 ) هو أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي من الطائف ، وأبو جهل من مكة فالقريتان هما الطائف ومكة .
وروى أن الوليد بن المغيرة - وكان يسمى ريحانه قريش - كان يقول : لو كان ما يقوله محمد حقا لنزل عليّ أو على أبى مسعود .
( 2 ) مرة أخرى ينبه القشيري إلى أن المعول عليه في الأمر فضل اللّه وقسمته ، ولهذا الرأي شأنه في مسألة الثواب والعقاب التي اتخذها المعتزلة وسيلة من وسائل تبرير الحرية الإنسانية - كما نبهنا إلى ذلك في هوامش كثيرة من الكتاب .
( 3 ) أي ( اشتغلوا ) باللّه وطاعته دون غاية غيريه أو مطمع زائل . ونحن لا نستبعد أنها قد تكون في الأصل ( فاستقلوا ) فهذا هو تعبير الشيخ المألوف في مثل هذا السياق .