جعل اللّه في كلّ شئ من المخلوقات دلالة على توحّده في جلاله ، وتفرّده بنعت كبريائه وجماله « 1 » .
« وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ »
: والإشارة منها أنّ الحقّ - سبحانه - يغار على أوليائه أن يسكن بعضهم بقلبه إلى بعض ؛ فأبدا يبدّد شملهم ، ولا تكاد الجماعة من أهل القلوب تتفق في موضع واحد إلا نادرا ، وذلك لمدة يسيرة . . كما قالوا :
رمى الدهر بالفتيان حتى كأنّهم * بأكناف أطراف السماء نجوم
وفي بعض الأحايين قد يتفضّل الحقّ عليهم فتدنو بهم الديار ، ويحصل بينهم - في الظاهر - اجتماع والتقاء ، فيكون في ذلك الوقت قد نظر الحقّ - سبحانه - بفضله إلى أنّ في اجتماعهم بركات لحياة العالم .
وهذا - وإن كان نادرا - فإنه على جمعهم - إذا يشاء - قدير .
قوله جل ذكره :
[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 30 ]
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ( 30 )
إذا تحقّق العبد بهذه الآية فإنه إذا أصابته شظية أو حالة مما يسوءه ، وعلم أن ذلك جزاء له ، وعقاب على ما بدر منه من سوء الأدب لأستحيي بخجلته من فعله ، ولشغله ذلك عن رؤية الناس ، فلا يحاول أن ينتقم منهم أو يكافئهم أو يدعو عليهم ، وإنما يشغله تلافى ما بدر منه من سوء الفعل عن محاولة الانتصاف لنفسه ممن يتسلّط عليه من الخلق . . تاركا الأمر كلّه لربّه .
ويقال : إذا كثرت الأسباب من البلايا على العبد ، وتوالى عليه ذلك . . فليفكّر في أفعاله للذمومة . . كم يحصل منه حتى يبلغ جزاء ما يفعله - مع العفو الكثير - هذا المبلغ ؟ ! فعند ذلك يزداد حزنه وتأسّفه ؛ لعلمه بكثرة ذنوبه ومعاصيه .
هامش
( 1 ) سبق أن نبا القشيري إلى توحيد القالة وتوحيد الدلالة .