ويقال إن كانت لكم جناية كثيرة عميمة فلى بشأنكم عناية قديمة « 1 » .
قوله جل ذكره :
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 54 إلى 55 ]
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 54 ) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 55 )
الإنابة الرجوع بالكلية . وقيل الفرق بين الإنابة وبين التوبة أن التائب يرجع من خوف العقوبة ، وصاحب الإنابة يرجع استحياء لكرمه « 2 » .
« وَأَسْلِمُوا لَهُ »
: وأخلصوا في طاعتكم ، والإسلام - الذي هو بعد الإنابة - أن يعلم أنّ نجاته بفضله لا بإنابته ؛ فبفضله يصل إلى إنابته . . لا بإنابته يصل إلى فضله .
« مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ »
قبل الفراق . ويقال هو أن يفوته وقت الرجوع بشهود الناس ثم لا ينصرف عن ذلك .
قوله جل ذكره :
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 56 إلى 58 ]
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ( 56 ) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 58 )
يقال هذا في أقوام يرون أمثالهم تقدموا عليهم في أحوالهم ، فيتذكرون ما سلف من تقصيرهم ، ويرون ما وفّق إليه أولئك من المراتب فيعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة .
هامش
( 1 ) واضح أن القشيري يحاول بطرق شتى أن يفتح كل أبواب الأمل أمام اليائسين ، فمهما كانت الذنوب كثيرة فعفو اللّه أكبر وأشمل ، وبدا أن النص القرآني يحتمل كل المحاولات التي يبذلها القشيري بسماحته الصوفية الأصيلة .
( 2 ) ينقل القشيري عن شيخه الدقاق قوله في هذا الخصوص : « أولها توبة وأوسطها إنابة وآخرها أوبة » .
ثم يعلق على ذلك قائلا : فكل من تاب لخوف العقوبة فهو صاحب توبة ، ومن تاب طمعا في الثواب فهو صاحب إنابة ، ومن تاب مراعاة للأمر - لا لرغبة في ثواب أو رهبة من عقاب - فهو صاحب أوبة . ويقال التوبة صفة المؤمنين ( وتوبوا إلى اللّه جميعا أيها المؤمنون ) ، والإنابة صفة الأولياء والمقربين ( وجاء بقلب منيب ) ، والأوبة صفة الأنبياء والمرسلين ( نعم العبد إنه أواب ) الرسالة ص 50 .