أو لم يروا كيف خالف بين أحوال الناس في الرزق : فمن موسّع عليه رزقه ، ومن مضيّق عليه ، وليس لواحد منهم شئ ممّا خصّ به من التقليل أو التكثير .
قوله جل ذكره :
[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 53 ]
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 )
« 1 » التسمية ب
« يا عِبادِيَ »
مدح « 2 » ، والوصف بأنهم
« أَسْرَفُوا »
ذم . فلمّا قال :
« يا عِبادِيَ »
طمع المطيعون في أن يكونوا هم المقصودين بالآية ، فرفعوا رؤوسهم ، ونكّس العصاة رؤوسهم وقالوا : من نحن . . حتى يقول لنا هذا ؟ ! فقال تعالى :
« الَّذِينَ أَسْرَفُوا »
فانقلب الحال ؛ فهؤلاء الذين نكّسوا رؤوسهم انتعشوا وزالت ذلّتهم ، والذين رفعوا رؤوسهم أطرقوا وزالت صولتهم « 3 » .
ثم أزال الأعجوبة عن القسمة بما قوّى رجاءهم بقوله :
« عَلى أَنْفُسِهِمْ »
يعنى إن أسرفت فعلى نفسك أسرفت .
« لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ »
: بعد ما قطعت اختلافك إلى بابنا فلا ترفع قلبك عنّا .
« إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً »
الألف واللام في
« الذُّنُوبَ »
للاستغراق والعموم ، والذنوب جمع ذنب ، وجاءت
« جَمِيعاً »
للتأكيد ؛ فكأنه قال : أغفر ولا أترك ، وأعفو ولا أبقى .
هامش
( 1 ) أورد الواحدي في أسباب النزول عدة أقوال بشأن من نزلت فيهم هذه الآية الكريمة ، ومن هذه الروايات :
عن ابن عباس قال : نزلت في أهل مكة حين قالوا : يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم اللّه لم يغفر له ، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع اللّه إلها آخر وقتلنا النفس التي حرم اللّه .
وقال ابن عمر : نزلت في عياش بن ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فتركوا دينهم .
ويروى أنها نزلت في وحشي قاتل حمزة . ( الواحدي ص 248 ، 249 ) .
( 2 ) يقول الدقاق : ليس شئ أشرف من العبودية ، وقد سمى بها الحق نبيه ( ص ) فقال : سبحان الذي أسرى بعبده ، وقال : فأوحى إلى عبده ما أوحى - ولو كان اسم أجل من العبودية لسماه به . ( الرسالة ص 100 ) .
( 3 ) راجع ما قاله القشيري في قصة داود : ( إنّ زلّة أسفك عليها يوصلك إلى ربك أجدى عليك من طاعة إعجابك بها يقصيك عن ربك ) . ويقول علي بن أبي طالب : ما في القرآن أوسع من هذه الآية . ويقول عبد اللّه ابن عمر : هذه أرجى آية في القرآن .