تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
ما عرفوه حقّ معرفته « 1 » ، وما وصفوه حقّ وصفه ، وما عظّموه حقّ تعظيمه ؛ فمن اتصف بتمثيل ، أو جنح إلى تعطيل « 2 » حاد عن السّنّة المثلى وانحرف عن الطريقة الحسنى . وصفوا الحقّ بالأعضاء ، وتوهّموا في نعته الأجزاء ، فما قدروه حقّ قدره ؛ فالخلق في قبضة قدرته ، والسماوات مطويات بيمينه ، ويمينه قدرته « 3 » . ولأنه أقسم أن يفنى السماوات ويطويها فهو قادر على ذلك .
« سُبْحانَهُ وَتَعالى »
تنزيها له عما أشركوا في وصفه . قوله جل ذكره :

[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 68 ]

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ ( 68 ) في النفخة الأولى تموتون ، ثم في النفخة الثانية تحشرون ، والنفختان متجانستان ؛ ولكنه يخلق عند إحداهما إزهاق الأرواح ، وفي الأخرى حياة النفوس ؛ ليعلم أن النفخة لا تعمل شيئا لعينها « 4 » ، وإنما الجبّار بقدرته يخلق ما يشاء . قوله جل ذكره :

[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 69 ]

وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 69 )
هامش
( 1 ) أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم رجل من أهل الكتاب فقال : يا أبا القاسم بلغك أن اللّه يحمل الخلائق على أصبع والأرضين على أصبع والشجرة على أصبع والثرى على أصبع ! فضحك رسول اللّه ( ص ) حتى بدت نواجذه ، فأنزل اللّه تعالى : « وما قدروا اللّه حق قدره » ( الواحدي ص 250 ) . ( 2 ) ( التعطيل على ثلاثة أقسام : تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه ، وتعطيل الصانع - سبحانه - عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله ، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد . . ومن هذا شرك طائفة أهل وحده الوجود الذين يقولون ما ثم خالق ولا مخلوق ( الجواب الكافي ص 90 لابن القيم ط التقدم ) . ( 3 ) نحسب أن من دواعي التأويل أن اللّه سبحانه وتعالى قد يخاطبنا عن ذاته وصفاته بما نتخاطب به فيما بيننا حتى نفهم ، والآية تشير إلى ذلك في وضوح فقد عبر عن قدرته مرة بالقبضة ومرة باليمين ، ومعنى هذا أن اللّه يقدر على قبض الأرض وجميع ما فيها قدرة أحدنا على ما يحمل بأصبعه . ( 4 ) كلام القشيري عن تجانس النفختين واختلاف تأثيريهما ، ثم كلامه بعد قليل عن تجانس السوقين واختلاف وجهتيهما . . مقصود منه - كما نظن - أن القياس الإنسانى ليس دائما على صواب ، مثال ذلك قوله تعالى : « مطويات بيمينه » ، ونسبة الوجه واليد والعين . . ونحو ذلك للّه سبحانه ليس بالضرورة أن يكون على نحو ما يفهم الإنسان من هذه الماديات ، فالكلمة هي الكلمة . . ولكن شتان بين الدلالة هنا والدلالة هناك . . واللّه أعلم بمقصود القشيري . . ولكن هكذا نظن .