قوله جل ذكره :
[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 79 إلى 81 ]
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 79 ) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 80 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 81 )
من كمال شقاوته أنه جرى على لسانه « 1 » ، وتعلّقت إرادته بسؤال إنظاره ، فازداد إلى القيامة في سبب عقوبته ، فأنظره اللّه ، وأجابه ، لأنه بلسانه سأل تمام شقاوته .
[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 82 إلى 83 ]
قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 83 )
ولو عرف عزّته لما أقسم بها على مخالفته .
ويقال تجاسره في مخاطبة الحقّ - حيث أصرّ على الخلاف وأقسم عليه - أقبح وأولى في استحقاق اللعنة من امتناعه للسجود لآدم « 2 » .
قوله جل ذكره :
[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 84 إلى 86 ]
قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ( 84 ) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ( 85 ) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ( 86 )
وختم اللّه سبحانه السورة بخطابه إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم :
[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 87 إلى 88 ]
إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 87 ) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ( 88 )
هامش
( 1 ) في هذه الإشارة دقة تحتاج إلى تأمل ، فقول القشيري « جرى على لسانه » تفيد أن مأساة إبليس ترجع إلى مشيئة عليا ، وإن كان ظاهر اللفظ أنه بلسانه اختار طريقه ، وبإرادته سعى إلى إنظاره .
وهكذا يغمز القشيري بمن يحاولون نسبة الحرية للإنسان - مع أن الحرية وبال ونكال .
ويذكّرنا هذا الموقف بقولة ابن عربى في ( شجرة الكون ) عند شرح « كن فيكون » أن في « كن » كل شئ ؛ في الكاف كمال الدين والكفر ، وفي النون النعمة والنقمة . . . فاللّه خالق كل شئ حين خاطب الكون : « كن »
( 2 ) في هذه الإشارة لفتة إلى مقصد بعيد : أن الوقوع في الذنب أمر قبيح ولكن الإصرار على الذنب أقبح .
وهذا حث للعصاة على الإقلاع عن المعاصي ، وعدم اليأس من رحمة اللّه . وتطالعنا سماحة القشيري في هذا الخصوص في مواضع مختلفة من هذا الكتاب ، وكذلك أنظر باب « التوبة » في الرسالة .