أراني كلّ يوم في انتقاص * ولا يبقى مع النقصان شيّ
هذا في الجثث والمباني دون الأحوال والمعاني ؛ فإن الأحوال في الزيادة إلى أن يبلغ حدّ الخرف « 1 » فيختلّ رأيه وعقله . وأهل الحقائق تشيب ذوائبهم ولكنّ محابّهم ومعانيهم في عنفوان شبابها ، وطراوة جدّتها .
قوله جل ذكره :
[ سورة يس ( 36 ) : آية 69 ]
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ( 69 )
كلامه صلى اللّه عليه وسلم كان خارجا عن أوزان الشّعر ، والذي أتاهم به من القرآن لم يكن من أنواع الشعر ، ولا من طرق الخطباء .
تحيّر القوم في بابه ؛ ولم تكتحل بصائرهم بكحل التوحيد فعموا عن شهود الحقائق .
قوله جل ذكره :
[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 71 إلى 75 ]
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ( 71 ) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ ( 72 ) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ ( 73 ) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ( 74 ) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ( 75 )
ذكر عظيم منّته عليهم ، وجميل نعمته لديهم بما سخر لهم من الأنعام التي ينتفعون بها بوجوه الانتفاع .
ولفظ
« أَيْدِينا »
توسّع . أي مما عملنا وخلقنا ، وذلك أنهم ينتفعون بركوبها وبأكل لحومها وشحومها ، وبشرب ألبانها ، وبالحمل عليها ، وقطع المسافات بها ، ثم بأصوافها وأوبارها وشعرها ثم بعظم بعضها . . فطالبهم بالشكر عليها ، ووصفهم بالتقصير في شكرهم .
ثم أظهر - ما إذا كان في صفة المخلوقين لكان شكاية - أنهم مع كل هذه الوجوه من الإحسان : -
[ سورة يس ( 36 ) : آية 76 ]
فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 76 )
هامش
( 1 ) الخرف فساد العقل من الكبر .