برهان « 1 » ، ويقال الشوق إلى اللّه ، ويقال التعطّف على الخلق بجملتهم ، ويقال تحرّر القلوب من رقّ الحدثان بجملته ، ويقال ألا يطلب لنفسه منزلة في الدارين « 2 » .
قوله جل ذكره :
[ سورة فاطر ( 35 ) : آية 2 ]
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 2 )
الموسّع عليه رزقه لا يضيّق عليه غير اللّه ، والمحروم لا يوسّع عليه غير اللّه .
ويقال : ما يلج في قلوب العارفين من أنوار التحقيق لا سحاب يستره ، ولا ضياء يقهره .
ويقال : ما يلزم قلوب أوليائه من اليقين فلا مزيل له ، وما يغلق على قلوب الأعداء من أبواب الذكر فلا فاتح له غيره - سبحانه .
ويقال الذي يقرنه بقلوب أوليائه وأحوالهم من التيسير فلا ممسك له ، والذي يمنعه عن أعدائه - بما يلقيهم فيه من انغلاق الأمور واستصعابها - فلا ميّسر له من دونه .
قوله جل ذكره :
[ سورة فاطر ( 35 ) : آية 3 ]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 3 )
من ذكر النّعمة فصاحب عبادة ، ونائل زيادة ، ومن ذكر المنعم فصاحب إرادة ، ونائل زيادة . . ولكن فرق بين زيادة وزيادة ؛ ذلك زيادته في الدارين عطاؤه ، وهذا زيادته لقاؤه :
اليوم سرّا بسرّ من حيث المشاهدة ، وغدا جهرا بجهر من حيث المعاينة .
والنعمة على قسمين « 3 » : ما دفع عنه من المحن ، وما نفع به من المنن ؛ فذكره لما دفع عنه يوجب دوام العصمة ، وذكره لما نفعه به يوجب تمام النعمة .
هامش
( 1 ) من اختاره اللّه لمعرفته لا يتركه يتعنّى في الأدلة والبراهين بعد اجتيازه مرحلة البداية المصححة بالعقل .
بل يفك أسره من هذه القيود لينطلق في رحلة العرفان بالقلب ، ثم الروح ، ثم السر ، ثم عين السر .
( 2 ) يرى الزمخشري أن الآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق وميزة فيه . . وتلك أمور لا يحيط بها وصف .
( 3 ) مرة أخرى يعود القشيري إلى ذكر نعم الدفع ، ونعم النفع ، وواضح أن الذكر والشكر لا زمان على الدوام . . هذا هو المقصد الذي يطمح إليه القشيري .