تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
قوله جل ذكره :

[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 51 إلى 52 ]

وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ( 51 ) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 52 ) أي لو رأيت ذلك لرأيت منظرا فظيعا ، وأمرا عظيما ؛ إذا أخذهم بعد الإمهال فليس إلا الاستئصال .
« وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ »
إذا تابوا - وقد أغلقت الأبواب ، وندموا - وقد تقطّعت الأسباب . . فليس إلا الحسرات والندم ، ولات حين ندامة ! كذلك من استهان بتفاصيل فترته ، ولم يستفق من غفلته يتجاوز عنه مرة ، ويعفى عنه كرّة ، فإذا استمكنت منه القسوة وتجاوز سوء الأدب حدّ الغفلة ، وزاد على مقدار الكثيرة « 1 » . . يحصل له من الحقّ ردّ ، ويستقبله حجاب ، وبعد ذلك لا يسمع له دعاء ، ولا يرحم له بكاء ، كما قيل :
فخلّ سبيل العين بعدك للبكا * فليس لأيام الصفاء رجوع
قوله جل ذكره :

[ سورة سبإ ( 34 ) : آية 54 ]

وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ( 54 ) التوبة يشتهونها في آخر الأمر وقد فات الوقت ، والخصم يريد إرضاءه فيستحيى أن يذكر في ذلك الوقت ، وينسدّ لسانه ويعتقل ؛ فلا يمكنه أن يفصح بما في قلبه ، ويودّ أن لو كان بينه وبين ما أسلفه بعد بعيد ، ويتمنى أن يطيع فلا تساعده القوة ، ويتمنى أن يكون له - قبل خروجه من الدنيا - نفس . . ثم لا يتفق .
هامش
( 1 ) في رأى القشيري : الثلاثة - آخر حد القلة ، وأول حد الكثرة - .
لطائف الإشارات — صفحة 189 | ابو القاسم عبد الكريم القشيري / إبراهيم بسيوني