تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
أي وآتيناه ذلك ، فكانت الشياطين مسخّرة له ، يعملون ما يشاء من الأشياء التي ذكرها سبحانه . قوله جل ذكره :
« اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ »
« 1 » . أي اعملوا يا آل داود للشكر ، فقوله :
« شُكْراً »
منصوب لأنه مفعول له . ويقال شكرا ؛ منصوب لأنه مفعول به مثل قوله تعالى :
« وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ »
« 2 » . وقد مضى طرف من القول في الشكر . والشكور كثير الشكر ، والأصل في الشكر الزيادة ، والشكيرة اسم لما ينبت تحت الأشجار منها ، ودابة شكور إذا أظهرت من السّمن فوق ما تعطى من العلف ؛ فالشكور الذي يشكر على النعمة فوق ما يشكر أمثاله وأضرابه . وإذا كان الناس يشكرونه على الرخاء فالشكور يشكره في البلاء . والشاكر يشكر على البذل ، والشكور على المنع « 3 » . . . فكيف بالبذل ؟ والشكور يشكر بقلبه ولسانه وجوارحه وماله ، والشاكر ببعض هذه . ويقال في
« وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ »
قليل من يأخذ النعمة منى ولا يحملها على الأسباب ؛ فلا يشكر الوسائط ويشكرنى . والأكثرون يأخذون النعمة من اللّه ، ويجدون الخير من قبله ثم يتقلدون المنّة من غير اللّه ، ويشكرون غير اللّه . قوله جل ذكره :
« فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ »
.
هامش
( 1 ) يقول السهروردي في عوارفه : « في أخبار داود عليه السلام : إلهي كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك ؟ فأوحى إليه إذا عرفت هذا فقد شكرتنى . ( عوارف المعارف ص 344 ) » ( 2 ) آية 4 سورة المؤمنين . ( 3 ) وردت العبارة في الرسالة هكذا : الشاكر يشكر عند البذل والشكور عند المطل ( الرسالة ص 89 ) .