تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
يا داود ، إن أنين المذنبين أحبّ إلى من صراخ العابدين ! ويقال ، كان داود يقول . اللّهم لا تغفر للخاطئين ، غيرة منه وصلابة في الدين . . . فلما وقع له ما وقع كان يقول . اللهم اغفر للمذنبين ، فعسى أن تغفر لداود فيما بينهم . ويقال لمّا تاب اللّه عليه ، واجتمع الإنس والجنّ والطير بمجلسه ، ورفع صوته ، وأداره في حنكه على حسب ما كان من عادته تفرّقت الطيور وقالوا : الصوت صوت داود والحال ليست تلك ! فأوحى اللّه إليه هذه وحشة الزّلة ، وتلك كانت أنس الطاعة . . فكان داود يبكى وينوح ويصيح والطير والجبال معه . ويقال ليس كلّ من صاح وراءه معنى « 1 » ، فالمعنى كان مع داود لا مع الجبال والطير . . .
« أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً »
. ألان له الحديد ، وجعل ذلك معجزة له ، وجعل فيه توسعة رزقه ، ليجد في ذلك مكسبا ، ليقطع طمعه عن أمته في ارتفاقه بهم ليبارك لهم في اتّباعه « 2 » . قوله جل ذكره :

[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 12 إلى 14 ]

وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ( 12 ) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ( 14 ) أي آتينا سليمان الريح أي سخّر ناها له ، فكانت تحمل بساطة بالغدو مسيرة شهر ؛ وبالرواح مسيرة شهر . وفي القصة أنه لاحظ يوما ملكه ، فمال الريح ببساطه ، فقال سليمان للريح : استو ، فقالت الريح : استو أنت ، فما دمت مستويا بقلبك كنت مستويا بك ، فلما ملت ملت .
« وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ »
هامش
( 1 ) هذه غمزة بمن يتظاهرون بالتواجد في مجالس السماع الصوفية ، إذ ينبغي الصدق ليتحول التواجد إلى وجد ثم إلى وجود . ( 2 ) هذا تنبيه لمن يتصدر منزلة الإمامة : ألا يرتفق ، وألا يطلب عوضا ، وألا يطمع في الذين يتبعونه .
لطائف الإشارات — صفحة 178 | ابو القاسم عبد الكريم القشيري / إبراهيم بسيوني