تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
وذرّيته بوصف اللطف فقبلوا وحملوا ، وفي حال بقاء العبد باللّه يحمل السماوات والأرض بشعرة من جفنه . ويقال كانت السماوات والأرض أصحاب الجثت والمباني فأشفقوا من حمل الأمانة . والحمل إنما تحمله القلوب . وآدم كان صاحب معنى فحمل ، وأنشدوا :
حملت جبال الحكم فوقى وإنني * لأعجز عن حمل القميص وأضعف
ويقال لما عرض الحقّ الأمانة على الخلق علّق آدم بها همّته ، فصرف بهمته جميع المخلوقات عنها ، فلمّا أبوا وأشفقوا حملها الإنسان طوعا لا كرها . قوله جل ذكره :

[ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 73 ]

لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 73 ) اللام في
« لِيُعَذِّبَ »
للصيرورة والعاقبة ؛ أي صارت عاقبة هذا الأمر عذاب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ، ويتوب اللّه على المؤمنين والمؤمنات بالمغفرة والتجاوز ( تمّت السورة ) « 1 » قد يقال : المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات والعاصون من المؤمنين والمؤمنات ورد ذكرهم . . فأين العابدون وذكرهم ؟ ولكنهم في جملة من مضى ذكرهم ، وليسوا في المشركين ولا في المنافقين ، فلا محالة في جملة العاصين الذين تاب عليهم . فيا أيها العاصي ، كنت تحذر أن يخرجك العابدون من جملتهم ، فاشهد الجبّار - في هذا الخطاب - كيف أدرجك في جملتهم « 2 » ؟ !
هامش
( 1 ) هكذا في الأصل ، وهذه أول مرة يستدرك بها المصنف شيئا عقب خاتمة سورة . ( 2 ) هذا الاستدراك لافت للنظر من حيث يدل على رحابة صدر الصوفية ، وشدة حرصهم على فتح أبواب الأمل أمام العصاة الراغبين في التوبة ،« لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ».
لطائف الإشارات — صفحة 174 | ابو القاسم عبد الكريم القشيري / إبراهيم بسيوني