الحق . ولكنهم غفلوا عن شهود حقائق الربّ فخاطبهم على مقدار فهمهم ، وعلّق بالأغيار قلوبهم ، وكلّ يخاطب بما يحتمل على قدر قوّته وضعفه .
قوله جل ذكره :
[ سورة السجدة ( 32 ) : آية 12 ]
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ( 12 )
ملكتهم الدهشة وغلبتهم الخجلة ، فاعتذروا حين لا عذر ، واعترفوا ولا حين اعتراف .
قوله جل ذكره :
[ سورة السجدة ( 32 ) : آية 13 ]
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 )
لو « 1 » شئنا لسهّلنا سبيل الاستدلال ، وأدمنا التوفيق لكلّ أحد ، ولكن تعلّقت المشيئة بإغواء قوم ، كما تعلّقت بإدناء قوم ، وأردنا أن يكون للنار قطّان ، كما أردنا أن يكون للجنّة سكان ، ولأنّا علمنا يوم خلقنا الجنّة أنه يسكنها قوم ، ويوم خلقنا النار أنه ينزلها قوم ، فمن المحال أن نريد ألا يقع معلومنا ، ولو لم يحصل لم يكن علما ، ولو لم يكن ذلك علما لم نكن إلها . . . ومن المحال أن نريد ألا نكون إلها .
ويقال : من لم يتسلّط عليه من يحبه لم يجر في ملكه ما يكرهه .
ويقال : يا مسكين أفنيت عمرك في الكدّ والعناء ، وأمضيت أيامك في الجهد والرجاء ، غيّرت صفتك ، وأكثرت مجاهدتك . . فما تفعل في قضائي كيف تبدّله ؟ وما تصنع في مشيئتى بأيّ وسع تردّها ؟ وفي معناه أنشدوا :
شكا إليك ما وجد * من خانه فيك الجلد
حيران لو شئت اهتدى * ظمان لو شئت ورد
هامش
( 1 ) هذه الإشارة المستوحاة من الآية تمثل أقصى درجات الجبرية في مذهب هذا الباحث الصوفي ، ولكن القارئ لا يعزب عنه أن يجدها جبرية ممتزجة بالحب . . ويكفى أنها مرتبطة بمشيئة الخالق .