وكذلك قال جل ذكره :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
.
أي ما رميت بنفسك ولكنك رميت بنا ، فكان منه ( صلوات اللّه عليه ) « 1 » قبض التراب وإرساله من يده ولكن من حيث الكسب ، وكسبه موجد من اللّه بقدرته ، وكان التبليغ والإصابة من قبل اللّه خلقا وإبداعا ، وليس الذي أثبت ما نفى ولا نفى ما أثبت إلا هو ، والفعل فعل واحد ولكن التغاير في جهة الفعل لا في عينه .
فقوله :
« إِذْ رَمَيْتَ »
فرق ، وقوله :
« وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى »
جمع . والفرق صفة العبودية ، والجمع نعت الربوبية ، وكلّ فرق لم يكن مضمّنا بجمع وكلّ جمع لم يكن - في صفة العبد - مؤيّدا بفرق فصاحبه غير سديد الوتيرة .
وإن الحقّ - سبحانه - يكل الأغيار إلى ظنونهم ، فيتيهون في أودية الحسبان ، ويتوهمون أنهم منفردون بإجراء ما منهم ، وذلك منه مكر بهم .
قال اللّه تعالى :
« وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً »
« 2 » وأما أرباب التوحيد فيشهدهم مطالع التقدير ، ويعرّفهم جريان الحكم ، ويريهم أنفسهم في أسر التصريف ، وقهر الحكم .
وأمّا الخواص من الأولياء وأصحاب العرفان فيجرى عليهم ما يجرى و ( ما ) « 3 » لهم إحساس بذلك ، مأخوذون يثبتهم بشواهد النظر والتقدير ، ويتولّى حفظهم عن مخالفة الشرع .
قوله جل ذكره :
وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً
.
البلاء الاختبار « 4 » ، فيختبرهم مرة « 5 » بالنعم ليظهر شكرهم أو كفرانهم ، ويختبرهم أخرى بالمحن ليظهر صبرهم ، أو ذكرهم أو نسيانهم .
هامش
( 1 ) أضفنا ( صلوات اللّه عليه ) ليتضح اتجاه المعنى .
( 2 ) آية 104 سورة الكهف .
( 3 ) سقطت ( ما ) من الناسخ والمعنى يتطلبها إذ هم لا إحساس لهم بما يجرى عليهم من حكم وتصريف .
( 4 ) وردت ( الاختيار ) بالياء وهي خطأ في النسخ .
( 5 ) وردت ( مر ) بدون تاء مربوطة والصواب أن تكون بها .