وتسلية . أي قد نعلم ما قالوا فيك وهم إنما قالوا ذلك بسببنا ولأجلنا . ولقد كنت عظيم الجاه فيهم قبل أن أوقعنا عليك هذا الرقم ؛ وكانوا يسمونك محمدا الأمين ، فإن أصابك ما يصيبك فلأجل حديثنا ، وغير ضائع لك هذا عندنا ، وحالك فينا كما قيل :
أشاعوا لنا في الحىّ أشنع قصة * وكانوا لنا سلما فصاروا لنا حربا
قوله جل ذكره :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 34 ]
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 )
يعنى إنّ من سلك سبيلنا صبر على ما أصابه من حديثنا ، فلا خسرت فينا صفقته ، ولا خفيت علينا حالته ، وما قابل حكمنا من عرفنا إلا بالمهج ، وما حملوا مالقوا فينا إلا على الحدق :
إنّ الألى ماتوا على دين الهوى * وجدوا المنية منهلا معسولا
قوله جل ذكره :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 35 ]
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 35 )
لفرط شفقته - صلّى اللّه عليه وسلّم - استقصى في التماس الرحمة من اللّه لهم ، وحمل على قلبه العزيز بسبب ما علم من سوء أحوالهم ما أثّر فيه من فنون الأحزان . فعرّفه أنهم مبعدون عن التقريب ، منكوبون بسالف القسمة .
ولو أراد الحقّ - سبحانه - لخفّف عنهم ، ولو شاء أن يهديهم لكان لهم مقيل في الصدور ، ومثوى على النشاط ، ولكن من كبسته العزّة لم تنعشه الحيلة .