فمعنى « رهوا » أي ساكنا حتّى يحصلوا فيه وهو ساكن ولا ينفروا منه . وقيل : الرهو المتفرق .
[ سورة الدخان ( 44 ) : آية 25 ]
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 )
« كم » في كلام العرب للتكثير و « ربّ » للتقليل وزعم الكسائي أنّ أصل « كم » كما فإذا قلت : كم مالك ؟ فالمعنى كأيّ شيء من العدد مالك ، وحذفت الألف من « ما » كما تحذف مع حروف الخفض مثل
لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
[ التوبة : 43 ] قيل له : فلم أسكنت الميم ؟ قال : لكثرة الاستعمال كما تسكّن في الشعر ، وأنشد : [ البسيط ] 414 -
فلم دفنتم عبيد اللّه في جدث * ولم تعجّلتم ولم تروحونا
« 1 » وذكر أبو الحسن بن كيسان : هذا القول فاسد ، واستدلّ على ذلك إنما تستعمله العرب في جواب « كم » لأنهم يقولون في جواب كم مالك ؟ ثلاثون وما أشبهه ، ولو كان كما قال لكان الجواب بالكاف لأن قائلا لو قال : كمن أخوك ؟ لقلت : كمحمد ، ولو قال : مثل ما مالك ؟ لقلت : مثل الثياب ، ولو قال : كأيّ شيء مالك ؟ لقلت : كمال زيد . وهذا لا يقال في « كم » فصحّ أنها ليست « ما » دخلت عليها كاف التشبيه ، وأنها مثل « من » و « ما » يستفهم بها عن العدد ؛ لأنك لو قلت : أمالك ثلاثون أم أربعون ؟ لم ينتظم معنى « كم » لاشتماله على ذلك كله . وهي اسم غير معرب لأن فيها معنى الحروف . قال سيبويه : فبعدت عن المضارعة بعد « كم » و « إذ » من المتمكّنة .
[ سورة الدخان ( 44 ) : آية 26 ]
وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 26 )
في أبي صالح عن ابن عباس : أنّ المقام الكريم المنازل الحسنة . قال أبو جعفر ؛ وهذا معروف في اللغة أن يقال للموضع الذي يقام فيه : مقام كريم ، وفي الضحاك عن ابن عباس : أن المقام المنابر ، وكذا قال سعيد بن جبير ، وهو مروي عن عبد اللّه بن عمر ، وقد ذكرناه بإسناده في سورة « الشعراء » « 2 » .
[ سورة الدخان ( 44 ) : آية 27 ]
وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ( 27 )
قال يعقوب بن السكّيت : النعمة التنعّم . وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : « فكهين » معجبين ، وعنه فاكهين فرحين . وحكى أبو عبيد عن أبي زيد الأنصاري أنه يقال : رجل فكه إذا كان طيّب النفس ضحوكا ، وزعم الفراء « 3 » أنّ فكها وفاكها بمعنى واحد ، كما يقال : حذر وحاذر . فأما محمد بن يزيد ففرق بين فعل وفاعل في مثل هذا تفريقا لطيفا فقال : الحذر الّذي في خلقته الحذر ، والحاذر المستعدّ . قال أبو
هامش
( 1 ) لم أجده في كتب الشواهد .
( 2 ) انظر كتاب معاني القرآن للنحاس في تفسير الآية 58 - الشعراء .
( 3 ) انظر معاني الفراء 3 / 249 .