أصل ادّارك تدارك أدغمت التاء في الدال فجيء بألف الوصل ؛ لأنه لا يبتدأ بساكن فإذا وصلت سقطت ألف الوصل وكسرت اللام لالتقاء الساكنين . وفي معناه قولان : أحدهما أنّ المعنى بل تكامل علمهم في الآخرة لأنهم رأوا كلّما وعدوا به معاينة فتكامل علمهم به ، والقول الآخر أن المعنى بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة فقالوا تكون ، وقالوا لا تكون . وفي معنى أدرك قولان : أحدهما معناه كمل في الآخرة ، وهو مثل الأول ، والآخر على معنى الإنكار وهذا مذهب أبي إسحاق ، واستدلّ على معنى صحّة هذا القول بأن بعده
بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
. فأما معنى أدرك فليس فيه إلّا وجه واحد ، يكون فيه معنى الإنكار كما تقول : أأنا قاتلتك أي لم أقاتلك فيكون المعنى لم يدرك .
بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
حذفت منه الياء لالتقاء الساكنين ، ولم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها .
[ سورة النمل ( 27 ) : آية 67 ]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ ( 67 )
هكذا يقرأ نافع « 1 » في هذه السورة وفي سورة « العنكبوت » « 2 » ، وقرأ أبو عمرو باستفهامين إلّا أنه خفّف الهمزة ، وقرأ عاصم وحمزة باستفهامين أيضا إلّا أنهما حقّقا « 3 » الهمزتين . وكل ما ذكرناه في السورتين جميعا واحد ، وقرأ الكسائي
أَ إِذا
بهمزتين ( اننا ) بنونين في هذه السورة وفي سورة « العنكبوت » « 4 » باستفهامين . القراءة الأولى إذا كنا ترابا وآباؤنا أننا موافقة للخطّ حسنة ، وقد عارض فيها أبو حاتم ، فقال : وهذا معنى كلامه « إذ » ليس باستفهام و « أإنا » استفهام وفيه « أنّ » فكيف يجوز أن يعمل ما في حيّز الاستفهام فيما قبله ، وكيف يجوز أن يعمل ما بعد أنّ فيما قبلها ، وكيف يجوز غدا أنّ زيدا خارج ، فإذا كان فيه استفهام كان أبعد ، وهذا إذا سئل عنه كان مشكلا لما ذكره . قال أبو جعفر : وسمعت محمد بن الوليد يقول : سألنا أبو العباس محمد بن يزيد عن آية من القرآن صعبة الإعراب مشكلة وهي قوله جلّ وعزّ :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
[ سبأ : 7 ] فقال : إنّ عمل في « إذا » ينبئكم كان محالا لأنه لا ينبئهم ذلك الوقت ، وإن عمل فيه ما بعد إن كان المعنى صحيحا ، وكان خطأ في العربية أن يعمل ما بعد إنّ فيما قبلها .
وهذا سؤال بيّن ، ويجب أن يذكر في السورة التي هو فيها . فأما أبو عبيد فمال إلى قراءة نافع وردّ على من جمع بين استفهامين ، واستدلّ بقول اللّه جلّ وعزّ
أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
[ آل عمران : 144 ] ، وبقوله جلّ وعزّ
أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ
هامش
( 1 ) انظر تيسير الداني 137 ، وكتاب السبعة لابن مجاهد 485 .
( 2 ) انظر إعراب الآية 29 - سورة العنكبوت .
( 3 ) انظر معاني الفراء 2 / 300 ، وتيسير الداني 137 .
( 4 ) انظر معاني الفراء 2 / 300 ، وتيسير الداني 137 .