يلتفت .
يا مُوسى لا تَخَفْ
أي قيل له لا تخف من الحيّة وضررها .
إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
هذا تمام الكلام .
[ سورة النمل ( 27 ) : آية 11 ]
إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 11 )
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ
استثناء ليس من الأول في موضع نصب . وزعم الفراء « 1 » أن الاستثناء من محذوف ، والمعنى عنده : إنّي لا يخاف لديّ المرسلون إنّما يخاف غيرهم إلّا من ظلم ثمّ بدّل حسنا بعد سوء فإنه لا يخاف ، وزعم الفراء « 2 » : أيضا أنّ بعض النحويين يجعل إلّا بمعنى الواو . قال أبو جعفر : استثناء من محذوف محال لأنه استثناء من شيء لم يذكر ولو جاز هذا لجاز : إنّي أضرب القوم إلّا زيدا ، بمعنى لا أضرب القوم إنّما أضرب غيرهم إلّا زيدا ، وهذا ضدّ البيان ، والمجيء بما لا يعرف معناه . وأما كان إلّا بمعنى الواو فلا وجه له ولا يجوز في شيء من الكلام . ومعنى « إلّا » خلاف معنى الواو لأنك إذا قلت : جاءني إخوتك إلّا زيدا ، أخرجت زيدا مما دخل فيه الإخوة . وإذا قلت : جاءني إخوتك وزيد ، أدخلت زيدا فيما دخل فيه الإخوة فلا شبه بينهما ولا تقارب . وفي الآية قول ثالث : يكون المعنى أن موسى صلّى اللّه عليه وسلّم لما خاف من الحية فقال له جلّ وعزّ :
لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
، علم جلّ وعزّ أنّ من عصى منهم يسرّ الخيفة فاستثناه فقال : إلّا من ظلم ثمّ بدّل حسنا بعد سوء أي فإنه يخاف ، وإن كنت قد غفرت له فإن قال قائل : فما معنى الخوف بعد التوبة والمغفرة ؟ قيل له : هذه سبيل العلماء باللّه جلّ وعزّ أن يكونوا خائفين من معاصيه ، وجلين ، وهم أيضا لا يأمنون أن يكون قد بقي من أشراط التوبة شيء لم يأتوا به ، فهم يخافون من المطالبة به ، وقرأ مجاهد
ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ
« 3 » قال أبو جعفر :
وهذا بعيد من غير جهة ، منها أنه أقام الصفة مقام الموصوف في شيء مشترك ، ومنها أن ازدواج الكلام بدّل حسنا بعد سيئ على أن بعضهم قد أنشد بيت زهير : [ البسيط ] 316 -
يطلب شأو امرأين قدّما حسنا * فاقا الملوك وبذّا هذه السّوقا « 4 »
[ سورة النمل ( 27 ) : آية 12 ]
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 12 )
تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
جزم « تخرج » لأنه جواب الأمر ، وفيه معنى المجازاة .
فِي تِسْعِ آياتٍ
أحسن ما قيل فيه أنّ المعنى هذه الآية داخلة في تسع آيات .
هامش
( 1 ) انظر معاني الفراء 2 / 287 .
( 2 ) انظر معاني الفراء 2 / 287 .
( 3 ) انظر البحر المحيط 7 / 56 ، ومختصر ابن خالويه 108 .
( 4 ) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه 51 ، ولسان العرب ( سوق ) ، وتاج العروس ( سوق ) .