كذلك . وهذا لما لم يجد المشركون سبيلا إلى تكذيب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ببرهان ولا حجّة قالوا
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
فسألوا ما الصّلاح في غيره ؛ لأن القرآن كان ينزّل مفرّقا جوابا عما يسألون عنه ، وكان ذلك من علامات النبوة لأنهم لا يسألون عن شيء إلّا أجيبوا عنه . وهذا لا يكون إلّا من نبيّ فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم ، ويدلّ على هذا الجواب .
[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 33 ]
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 33 )
ولو نزل جملة لكان قد سبق الحوادث التي كانت ينزل فيها القرآن ، ولو نزل جملة بما فيه من الفرائض لثقل ذلك عليهم علم اللّه جلّ وعزّ . إنّ الصلاح في إنزاله متفرّقا لأنهم ينبّهون به مرّة بعد مرّة ولو نزل جملة لزال معنى التنبيه ، وفيه ناسخ ومنسوخ فكانوا يعبّدون بالشيء إلى وقت بعينه قد علم اللّه جلّ وعزّ فيه الصلاح ثم ينزل النسخ بعد ذلك فمحال أن ينزل جملة افعلوا كذا وكذا ، ولا تفعلوا ، والأولى أن يكون التمام « جملة واحدة » ؛ لأنه إذا وقف على « كذلك » صار المعنى كالتوراة والإنجيل والزّبور ، ولم يتقدّم لهما ذكر . قال أبو إسحاق :
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
أي أنزلناه . قيل :
الترتيل وهو التمكّث وهو ضدّ العجلة .
[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 34 ]
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً ( 34 )
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ
في موضع رفع الابتداء وخبره في الجملة .
وقد ذكرنا معناه المروي مرفوعا . وقد قيل : هو تمثيل ، كما تقول : جاءني على وجهه ، أي كارها .
[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 35 ]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً ( 35 )
وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ
على البدل .
وَزِيراً
مفعول ثان . والوزير في اللغة المعاون الذي يلجأ إليه صاحبه مشتقّ من الوزر وهو الملجأ . قال اللّه جلّ وعزّ
كَلَّا لا وَزَرَ
[ القيامة : 11 ] .
[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 36 ]
فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً ( 36 )
قال الفراء « 1 » : إنما أمر موسى صلّى اللّه عليه وسلّم بالذهاب وحده في المعنى ، وهذا بمنزلة قوله :
نَسِيا حُوتَهُما
[ الكهف : 61 ] ، وبمنزلة قوله
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
[ الرحمن : 22 ] وإنما يخرج من أحدهما . قال أبو جعفر : وهذا مما لا ينبغي أن يجترأ
هامش
( 1 ) انظر معاني الفراء 2 / 268 .