فطرية ، فإن الإنسان بطبعه يميل إلى تملك الثروة والاستفادة من متع الحياة ، ولكنه حينما يرى أن هذه الأشياء كلما منحته القدرة على الحياة في الظاهر سلبته القدرة الإرادية في واقع الحال على نفس المدى ، وجعلته : « عبدا لها ولمن في يده شيء منها » فهو يثور - حينما يرى ذلك - على هذه العبودية ويصطلح على هذه الثورة بالزهد .
ولقد تغنى الكثير من شعرائنا العرفاء بهذا التحرر كثيرا .
قال الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي عن نفسه .
« إني أعد نفسي عبدا لمن كان متحررا * عن زخارف الحياة وألوانها » .
بقي علينا أن نقول : إن التحرر التام بحاجة إلى شيء آخر سوى الانقطاع عن علائق الدنيا . فإن القيود التي تربط الإنسان فتذله وتعجزه ليست العلائق المادية فحسب ، بل إن الاعتياد الجسمي والروحي على الكماليات التي وجدت أما لزينة الحياة الدنيا ورونقها ، أو لإعطاء القوة والقدرة على الحياة بهناء أكثر ، قد تصبح للإنسان - بالعادة - كالطبيعة الثانوية . هذه الأمور - وإن لم تكن موردا للعلاقة القلبية بل وحتى لو كانت وسيلة للسمو الروحي - تصبح - حينذاك - قيودا أقوى لأسر الإنسان وذله ، فهي تعجزه وتذله أكثر من سواها .
تصوروا عارفا صوفيا متقشفا ، لم يتعلق قلبه بشيء من الدنيا ولذائذها ، ولكنه اعتاد الشاي أو الدخان أو الترياق أو الأفيون أو الهيروئين مثلا حتى أصبحت هذه له كالطبيعة الثانية ، بحيث إذا تخلف عنها هلك كيف يمكن لهذا أن يعيش متحررا إن انعتاق القلب عن علائق الحياة شرط أساس في التحرر ، ولكنه ليس هو الوحيد ، بل إن الاعتياد على الاستفادة بالأقل من نعم الحياة - حتى الحلال منها - والحذر من الاعتياد على الإكثار منها شرط أساس آخر في التحرر .
يصف الصحابي الكبير أبو سعيد الخدري رسول اللّه ( ص ) فيقول : إنه كان خفيف المؤنة . يعني : أنه كان قليل المصارف ، يستطيع العيش بالقليل ونتساءل : هل هذه فضيلة من الناحية المادية أو الاقتصادية مثلا