تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
بل ماذا نقول في حياة الإمام علي ( ع ) ، ومن قبله حياة رسول اللّه ( ص ) ، وبم نفسر ذلك وكيف نوجهه ونؤولّه والحقيقة في الجواب أن نقول : إن الزهد الإسلامي شيء والرهبنة شيء آخر . فالرهبنة : انقطاع عن الخلق لعبادة الخالق ، على أساس التضاد بين عمل الدنيا والآخرة ، فإما العبادة ورياضة النفس في الدنيا لاستكمال نعيم الآخرة ، وإما الحياة الدنيا للحياة فيها فحسب ، وعلى هذا فالرهبنة تستلزم الانقطاع عن الحياة والمجتمع والمسؤولية أيضا . وهذه هي الرهبنة المقيتة . أما الزهد الإسلامي : فهو وان كان يستلزم إختيار حياة ساذجة غير متكلف فيها ، لكنه أساس الاعراض عن التنعم والتجمل بلذائذ الحياة وكمالياتها المادية الإضافية ، لكنه - في نفس الوقت - علاقة اجتماعية ورابطة حيوية تنبع من المسؤولية بالتعهدات الاجتماعية في الإسلام ، ومن أجل الخروج الصحيح عن عهدة أدائها لوجهها . إذن : فليست فلسفة الزهد في الإسلام هي نفس تلك الفلسفة في الرهبنة المسيحية المبتدعة . إذ ليس في الإسلام مضادة بين الحياتين ، بل ولا تجزئة بينهما ، ولا بين العمل لهما . بل إن الإسلام يرى العلاقة بين هاتين الحياتين علاقة ظاهر الشيء بباطنه ، والشعار بالدثار ، والجسد بالروح ، لا وحدة ، ولا مضادة ، وإنما الاختلاف بينهما في الكيفية . وفي الحقيقة : كل ما كان صالحا لتلك الحياة فهو صالح لهذه الحياة أيضا ، وكذلك كل ما كان صالحا لهذه الحياة - واقعا - فهو صالح لتلك الحياة الأخرى أيضا ، ولهذا وجب الترابط بين العمل الصالح في هذه الحياة لتلك الأخرى بالنية ، ولذلك : فلو عمل المرء عملا يتفق مع المصالح السامية لهذه الحياة ولكنه يخلو من النية الصالحة المرتبطة بتلك الحياة ، عدّ هذا العمل دنيويا ، أما إذا كانت الناحية الإنسانية في العمل تنطوي على أهداف أسمى من الدنيا رامية إلى الآخرة ، فذاك العمل عمل أخروي مقرب محبوب راجح ، إما واجب أو مستحب مندوب إليه . فالزهد الإسلامي - كما بيّنا - : تكييف خاص للحياة ينشأ من إدخال معان