تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
يهب لهذه الحياة الدنيا الأمن والصفاء ، والراحة والهناء ، هو : أن يرد قصد تلك الحياة في أمور هذه الحياة ، وأن ما يوجب السعادة لتلك الحياة هو : الإتقان في العمل بمسؤوليات هذه الحياة ، وأن يكون العمل بها قرينا بالإيمان والطهارة والتقوى . فالحقيقة : أن هناك مغايرة بين فلسفة الزهد عند الزاهد في الإسلام ، وفلسفة الرهبنة للراهب في المسيحية . وأن الثانية ليست إلّا تحريفة أوجدها الإنسان بجهله أو سوء نيته في تعاليم الزهد للأنبياء السابقين . وسنوضح فيما يلي فلسفة الزهد في الإسلام بالنظر إلى النصوص الإسلامية ، وعلى أساس هذا المفهوم الذي شرحناه من الزهد .

الزهد والإيثار

من فلسفة الزهد في الإسلام : الإيثار . وهو ضد الأثرة ، والأثرة : تقديم الشخص لنفسه ومصالحها ومنافعها على غيره ، والإيثار : هو تقديم الشخص غيره على نفسه . والزاهد يختار العيش بكل بساطة وقناعة ، ويضيق على نفس في الحياة ، من أجل راحة الآخرين ، وإنما يهب ماله للفقراء لأنه إنما يلتذ بنعم الحياة حينما لا يرى معه فقيرا ينام بلا عشاء ، فهو يلتذ بإعطاء الآخرين وإطعامهم وكسوتهم أكثر من راحة نفسه وطعامها وكسائها ، وإنما يتحمل الجوع والحرمان والعناء من أجل راحة الآخرين وهنائهم . وهذا هو الإيثار . والإيثار من أعظم مظاهر الجلال والجمال والكمال الإنساني المأمول ، وإنما يستطيع الرقي إلى هذه القمة الشامخة من العمل الصالح أناس عظماء من أمثال علي والزهراء وابنيهما السبطين الحسنين أصحاب الكساء ، الذين نزلت في شأنهم هذا ( سورة هل أتى ) مرآة صافية باقية تعكس للأجيال المتعاقبة ذلك الكمال المتمثل في هؤلاء العظماء الذين : « يطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا » وهم يقولون : « إنما نطعمكم لوجه اللّه لا نريد منكم جزاء ولا شكورا » .