الزاهد ، والراهب
قلنا : إن الإسلام دعا إلى الزهد ، وأدان الرهبنة .
ولا شك أن الزاهد والراهب يبتعدان كلاهما عن التنعم باللذائذ ، إلّا أن الراهب يفر بذلك عن المجتمع ومسؤولياته ، ويعدهما من أمور الدنيا الدنية ، ويلجأ منهما إلى الصوامع والأديرة وسفوح الجبال ، أما الزاهد فهو يقبل على المجتمع وآماله ومسؤولياته . وإن الزاهد والراهب كلاهما يتجهان إلى الآخرة ، إلا أن الزاهد يتجه إلى الآخرة والمجتمع ، أما الراهب فهو يتجه إلى الآخرة راغبا عن الدنيا وما فيها ومن فيها . وإنهما يبتعدان عن اللذائذ ولكن لا سواء ، فإن الراهب يرهب من الزواج والإنجاب أو قل من النظافة والسلامة النفسية أما الزاهد فهو يعد
« النظافة من الإيمان »
و
« النكاح من الدين »
، وتكثير النسل ( الطيب ) من الوظائف الدينية والاجتماعية . وإن الزاهد والراهب كلاهما يتركان الدنيا ، إلّا أن الزاهد يترك الدنيا بترك الانهماك بالتنعم والتمتع والكماليات ، ويحذر من أن يحسبها منتهى آماله وأكمل مناه ، أما الراهب فإنه يترك الدنيا بترك العمل فيها وتحمل مسؤولياتها . . . ولهذا نقول : إن الزاهد يعيش في صميم الحياة والروابط الاجتماعية ، ولا يحسب زهده مما يتنافى مع تحمل المسؤوليات الاجتماعية ، بل إن الزهد لديه خير وسيلة لتعهد المسؤوليات على الوجه الأكمل والأحسن . بخلاف الراهب .
وإن هذا التفاوت بين سيرة الراهب والزاهد إنما ينشأ من الاختلاف في وجهة النظر إلى الحياة .
إن الراهب : يرى الحياة الدنيا والآخرة عالمين مستقلين لا علاقة بينهما ، ويحسب أن السعادة في هذه الحياة غير مرتبطة بسعادة الآخرة ، بل هما متضادان لا يجتمعان ومن لطبيعي لديه - حينئذ - أن يكون العمل المفيد لسعادة الدنيا يغاير العمل المفيد لها في الآخرة ، وان وسائل السعادة في الدنيا تغاير بل تباين وسائل السعادة في الآخرة ، بل لا يمكن - لديه - أن يكون الشيء الواحد والعمل الواحد وسيلة لسعادة الدارين أبدا أما الزاهد : فهو يرى أن الدنيا مزرعة الآخرة فهما مرتبطان . وأن الذي