أمور أسمى من هذه المشتهيات النفسية الدنيوية . سواء كانت تلك الأمور التي يهدف إليها من المشتهيات الأخروية ، أو لم تكن منها بل كانت من نوع الفضائل الأخلاقية : كالعزة والشرف ، والكرامة ، والحرية الواقعية ، أو من نوع المعارف الإلهية والمعنوية : كذكر اللّه ، وحب اللّه ، والتقرب إليه ، وطلب مرضاته سبحانه . وهذا هو الزهد المقصود .
فالزاهد إذن : هو الذي اجتاز في نظره الدنيا المادية إلى الكمال المطلوب وأسمى المنى ، وتوجه في نظره إلى أمور هي من نوع ما ذكرناه . فعدم الرغبة فيه ليس من الناحية الطبعية ، بل من الناحية الفكرية والمنى والآمال .
وقد عرف الإمام ( ع ) الزهد في نهج البلاغة في موردين ، لا نصل منهما إلّا إلى ما قلناه .
الأول
: في الخطبة ( 79 ) يقول ( ع ) : « . . أيها الناس الزهادة قصر الأمل ، والشكر عند النعم ، والورع عند المحارم . . » .
الثاني
: في الحكمة : ( 439 ) يقول ( ع ) : « . . . الزهد بين كلمتين من القرآن : قال اللّه سبحانه : « لكيلا تأسوا على ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه » .
وإذا لم يكن الشيء هو كمال المطلوب بل لم يكن المطلوب ، بل كان وسيلة إليه ، فلا تحوم حوله طيور الآمال بل ولا تجنح إليه ، وحينذاك فلا يوجب أقباله المسرة الشديدة ، ولا إدباره الأسى الشديد .
ولكن يجب علينا أن ننظر : هل أن الزهد والأعراض عن الدنيا الذي يؤكد عليه نهج البلاغة الإمام ( ع ) تبعا للقرآن الكريم ، صفة أخلاقية روحية فحسب هل أن الزهد كيفية روحية فقط أم أن لها جوانب عملية أيضا هل أن الزهد هو أعراض الروح أم أعراض عملي وروحي .
وعلى الثاني ، فهل أنه أعراض عملي عن المحرمات فحسب ( كما في
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 142
مساهمون: هادي اليوسفي
ص١٤٢