الأرضية للمحاسبة وإمعان النظر في الأمور . والخطابة تخرج بالإنسان إلى العالم العيني الخارجي ، والموعظة تدخل بالإنسان إلى نفسه وفكره . وكلاهما ضروريان للإنسان . ولذلك نرى في نهج البلاغة من كلا النوعين . والعمدة هي مراعاة موقعهما . وقد راعى الإمام ( ع ) هذا الأمر تماما ، فأورد الخطابة المثيرة حيث يجب أن تثار العواطف والأحاسيس فتطغى وتطيح بأسس الظلم والظالمين ، كما في خطاباته التي أوردها في صفين .
منها : حيث تسرع معاوية إلى الشريعة فامتلكها وضيق على المؤمنين وأميرهم الإمام ( ع ) . وكان الإمام ( ع ) يحذر من البدء بالقتال ويحاول أن يحل المشكلة عن طريق الكلمة الحكيمة ، لكن معاوية أبى عن الحل السلمي بالكلام واغتنمها فرصة للمضايقة الحربية ، فضاق الأمر بذلك على أصحاب علي ( ع ) .
فاضطر الإمام إلى أن يثير كوامن النفوس بخطاب حماسي يرد به العدو على أعقابه خاسئا خاسرا ، فخطبهم وقال : « . . . قد استطعموكم القتال ، فأقروا على مذلة وتأخير محلة أو رووا السيوف من الدماء ترووا من الماء فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين ألّا وإن معاوية قاد لمة من الغواة ، وعمش عليهم الخبر حتى جعلوا نحورهم أغراض المنية . . » .
وعملت هذه الكلمات النارية عملها الحاد والمهيج ، فأثارت الدماء والغيرة ، ولم يمسوا حتى ملكوا عليهم الشريعة دونهم ، وطردوهم عنها خاسئين خائبين أما مواعظ الإمام ( ع ) فقد كانت في أحوال أخرى .
سارت عجلة الفتوحات المتتالية في دور الخلفاء وعلى عهد عثمان بالخصوص بسرعة هائلة ، فكان من أثرها الغنائم الكثيرة غير المنتظمة ، والثروة العظيمة التي ساعدت على إيجاد النظام الطبقي ( الأروستقراطي ) الأشرافي والقبلي ، في إشاعة الفحشاء وفساد الأخلاق ورفاهية العيش والتنعم والجمال والكمال المادي دون المعنوي وعبادة المال ، بين مختلف طبقات المسلمين ، وبذلك عادت العصبيات القبلية . . . وفي خضم هذه الغنائم والعصبيات . . . كان الصوت الملائكي الوحيد
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 133
مساهمون: هادي اليوسفي
ص١٣٣