تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
ويعلم ولكنه في غفلة أو تغافل أو تجاهل عنه ، فالحكمة يراد بها التنبيه ، أما الموعظة فيراد بها الإيقاظ ، والحكمة يراد بها مكافحة الجهل ، والموعظة يراد بها مكافحة الغفلة والتغافل ، فالحكمة فكرة وتعقل ، أما الموعظة فهي « لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد » والحكمة تعلم ، والموعظة تذكّر ، والحكمة تزيد الإنسان وجدانا ذهنيا ، أما الموعظة فهي توقظ الذهن للاستفادة من الوجدان ، والحكمة مصباح وسراج ، أما الموعظة فهي إلفات النظر إلى ذلك الضياء ، والحكمة للفكرة ، والموعظة للتفكر ، والحكمة ترجمان العقل ، والموعظة ترجمان الروح والأحاسيس والعواطف . ومن هنا يفرق بين الحكمة والموعظة الحسنة أيضا : بأن لشخصية الواعظ في الموعظة دورا بارزا ، أما الحكمة فهي « ضالة المؤمن يأخذها أينما وجدها ، ولو من فم فاسق أو فاجر أو غادر أو خاسر أو كافر » و « الحكمة جوهرة يأخذها المؤمن أينما وجدها ولو في فم كلب أو سبع » ففي الحكمة لا مانع من إختلاف الأرواح بين الناطق بها والسامع ، أما في الموعظة فلا بد من ارتباط بينهما واتصال كما في السلك الكهربائي بين السالب والموجب ، وحينئذ يكون كما قيل : « إذا خرج من القلب دخل في القلب ، وإذا خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان » .

الوعظ والخطابة

وهنا فرق بين الوعظ والخطابة أيضا : فإن الخطابة تخاطب العواطف والأحاسيس ، لكي تثيرها وتثور بها ، أما المواعظ فهي وإن كانت تخاطب العواطف أيضا ، ولكنها لأجل أن تؤثر فيها وتتسلط عليها وتخضعها . فالخطابة إنما تفيد فيما إذا كانت العواطف راكدة خامدة هامدة جامدة ، وأما الموعظة فهي ضرورية فيما إذا كانت الشهوات والأحاسيس عاتية طاغية لتهدئها وتسكنها . والخطابة تثير أحاسيس الغيرة ، والحمية ، والحماية ، والثورة ، والعصبية ، والرفعة ، والعزة ، والفتوة ، والمروءة ، والشرف والكرامة ، والبر ، والصلة ، والخدمة . . وتوجد فيها الحركة والنشاط . أما الموعظة فهي تهدى ء من ثورة هذه الأحاسيس وتغير الضارة منها . والخطابة تخرج أزمة الأمور من يد العقل فتودعها بيد الأحاسيس والعواطف ، أما الموعظة فهي تهدى ء من فورة العواطف وتهيّء
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 132 | هادي اليوسفي / مرتضى مطهرى