أولا : أمرا منتزعا عن السيرة العملية .
وثانيا : هي سيرة عملية سلبية لا إيجابية .
وثالثا : كلما كانت سلبيتها أكثر كانت التقوى أكمل .
ولهذا نرى أن المتظاهرين بالتقوى يحذرون التدخل في أي عمل ، ويجتنبون كل رطب وجامد وحار وبارد ، حرصا على سلامة تقواهم .
ولا شك أن الحذر والإجتناب هو من أصول الحياة للإنسان العاقل ، فإن الحياة لا تخلو عن مقارنة بين السلب والإيجاب ، والنفي والإثبات والفعل والترك والإقدام والأحجام . بل لا يصل الإنسان إلى الإيجاب إلّا عن طريق السلب ولا إلى الإثبات إلّا بعد النفي ، وليست كلمة التوحيد : لا إله إلا اللّه ، إلّا كلمة جامعة بين النفي والإثبات ، ولا يمكن إثبات التوحيد إلّا بعد نفي ما سوى اللّه تعالى . ولذلك نرى أن الإيمان والكفر مقترنان والطاعة والعصيان ملتزمان ، أي أن كل طاعة تتضمن معصية ، وكل إيمان يشتمل على كفر : « . . . فمن يكفر بالطاغوت ، ويؤمن باللهّ ، فقد استمسك بالعروة الوثقى . . . » .
ولكن . . . أولا : أن البعد والنفي والعصيان والكفر لا تصح إلا للعبور إلى أضدادها ، ولا تصح إلّا أن تكون مقدمات للارتباط بمقابلاتها . ولذلك فلا بد أن يكون للابتعاد المفيد حدودا وأهدافا . فالسيرة العملية السلبية بلا حدود ولا قيود ولا أهداف ، ليست مقدسة ولا يحمد عقباها .
وثانيا : أن مفهوم التقوى في نهج البلاغة لا يرادف كلمة الحذر ( حسب المفهوم المنطقي للفظة الترادف ) فإن التقوى في نهج البلاغة : « قوة روحية تتولد للإنسان من التمرين العملي الذي يحصل من الحذر المعقول من الذنوب » . فالحذر المعقول والمنطقي يكون مقدمة للحصول على هذه الحالة الروحية ، وهو - من ناحية أخرى - من لوازم حالة التقوى ونتائجها .
إن هذه الحالة تهب للروح قوة ونشاطا ، وتصونه من الانحراف والشطط ، ومن لم يحظ بهذه الحالة لا بد له - إذا أراد حفظ نفسه عن المعصية - من أن يبعد
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه ) — صفحة 136
مساهمون: هادي اليوسفي
ص١٣٦