تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 520

مساهمون:

ص٥٢٠
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ
، قال أهل التأويل : أي : أجر حسن ، واللّه أعلم . وجائز تسميته : كريما ؛ لما أن من ناله يصير كريما ، أو لما يؤمل ويرجى أن يكون لهم ذلك ، والكريم في الشاهد : هو الذي يرجى منه كل خير ويؤمل ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ
جائز أن يكون قوله :
يَسْعى نُورُهُمْ
أي : كتبهم التي يعطون في الآخرة ، فإنه يعطى كتاب المقربين والسابقين من أمامهم وقدامهم ، وكتاب سائر المؤمنين من أيمانهم ، وكتاب أهل الشرك من وراء ظهورهم ، يؤيده حرف حفصة - رضي اللّه عنها - : نورهم يسعى بين أيديهم وفي أيمنهم كقوله :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ . . .
الآية [ الانشقاق : 7 ] . وجائز أن يكون نور إيمانهم ودينهم الذي كانوا عليه في الدنيا . وجائز أن يكون نورهم الذي ذكر كناية عن الطريق الذي يسلك فيه السابقون ، يرون ما أمامهم ، وسائر المؤمنين عن أيمانهم وما سلكوا في الدنيا ، وأهل الشرك بشمالهم ، وأهل النفاق من ورائهم . وجائز أن يكون قوله :
وَبِأَيْمانِهِمْ
كناية عن اليمن والبركة ؛ إذ إنما بالأيمان ينال اليمن والبركات فسماها بذلك . ويحتمل ما ذكر أهل التأويل : أنه يرفع لهم نور ، فيمشون بذلك . وقوله - عزّ وجل - :
بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها
إنما يقال ذلك قبل دخول أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ؛ وهذا يدل أن النور المذكور لهم يكون قبل دخول أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار . وقوله :
ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
؛ لأنه لا هلاك بعده ولا تبعة ، ولا انقطاع لذلك . ثم قوله :
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
ليس أن يراه هو خاصة لا يرى غيره ذلك ؛ بل يرى ذلك جميع المؤمنين ؛ فيبطل به قول من جعل التنصيص على الشيء دالا على التخصيص ونفي غيره . وعن قتادة : أنه قال : ذكر لنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن ، وإلى صنعاء ، فدون ذلك ، حتى من المؤمنين مؤمن لا يضيء نوره إلى موضع قدميه ، وللمؤمنين منازل لأعمالهم « 1 » .
هامش
( 1 ) أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة مرسلا بلفظ : « إن من المؤمنين يوم القيامة من يضيء له نوره كما بين المدينة إلى عدن أبين إلى صنعاء فدون ذلك ، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدمه ، والناس منازل بأعمالهم » انظر : الدر المنثور ( 6 / 250 ) .