تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
والثاني : أخذ الميثاق ما جعل في خلقة كل أحد من شهادة الوحدانية له . والثالث : عهد إليهم ؛ حيث ركب فيهم العقول والأفهام ، وجعلهم بحيث يميزون ما لهم مما عليهم ، فيما لا يحتمل إهمال مثلهم وتركهم سدى . ويحتمل ما ذكر بعض أهل التأويل من إخراجهم من صلب آدم - عليه السلام - ، والوجوه الأول أقرب . وجائز أن يكون قوله :
وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ
في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين بالله ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يبعث ، فلما بعث كفروا به ؛ يقول - واللّه أعلم - : ما لكم لا تؤمنون بالله والرسول الذي كنتم مؤمنين به ؟ ! ويحتمل أن تكون الآية في أهل النفاق الذين كانوا يظهرون الإيمان به ، ولا يحققونه ؛ يقول : ما لكم لا تحققون الإيمان بالله والرسول يدعوكم لتحققوا الإيمان بربكم ؟ وهو كقوله :
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ
[ آل عمران : 101 ] أي : لا عذر لكم في الكفر بالله ورسوله ، وترك الإيمان بهما ، فعلى ذلك الأول ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
بالآيات والحجج . أو يذكر هذا لا على الشرط ؛ بل على التأكيد ؛ كقوله تعالى :
وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
[ البقرة : 228 ] ، لأنهن إذا كن أذعن الإيمان ، لم يحل لهن أيضا كتمان ما في أرحامهن . وقوله - عزّ وجل - :
هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ
الآيات في الحقيقة : هي الأعلام ، لكن فسرت الآيات بالحجج ؛ لأن الآيات حجج من عند اللّه تعالى جاءت ، لا أنها مفتعلات من الخلق . وقوله :
بَيِّناتٍ
: واضحات أنها من عند اللّه جاءت ، لا من عند الخلق ، أو بينات أمره ونهيه ، وما لهم وما عليهم ، وما يؤتى وما يتقى . وقوله - عزّ وجل - :
لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
ما أضيف إلى اللّه تعالى من الإخراج ، فهو على وجهين : أحدهما : على حقيقة الإخراج ، وهو أن يوفقهم إلى الإيمان ، ويعطيهم المعونة والعصمة ؛ فيخرجون مما ذكر من الكفر إلى الإيمان . والثاني : يخرج على الأمر به ، والدعاء إلى الإيمان ، ليس على حقيقة الإخراج ، وهو كقوله :
لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
في هذه الآية ، ونظير حقيقة الإخراج قوله :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
[ البقرة : 257 ] ، وعلى هذا يخرج إضافة