تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
الهداية إلى اللّه تعالى : على التوفيق وإنشاء فعل الهداية منهم ، والثاني : على الدعاء والبيان ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
جائز أن يكون معناه : وإن اللّه بمن خرج من الظلمات إلى النور لرءوف رحيم ، وهو يرجع إلى المؤمنين خاصة . وجائز أيضا [ أن ] يوصف بالرحمة والرأفة على الكل ؛ أي : بكم لرءوف رحيم بما أرسل إليكم الرسول ، وأنزل عليكم الكتاب ، وإن كان في أنفسكم وعقولكم كفاية على معرفة وحدانية اللّه تعالى وربوبيته بدون إنزال الكتاب وإرسال الرسول ، لكن بفضله ورحمته أرسل الرسل ، وأنزل الكتب ؛ ليكون ذلك أدعى لهم ، وأوصل إلى إدراك ما دعوا إليه ، وأقرب في دفع الشبه والعذر ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، هذا يخرج على وجهين : أحدهما : ما قال أهل التأويل : إن الخلق يفنون كلهم ، ويبقى اللّه تعالى ؛ كقوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها
[ مريم : 40 ] فعلى هذا قوله :
وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أي : ما لكم لا تنفقون في سبيل اللّه قبل أن يزول ملككم ويصير ميراثا لله تعالى . وجائز أن يكون قوله :
وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
إضافة وراثة بعضهم من بعض إليه ؛ لما أنهم عبيده وإماؤه ، ومال العبد يكون لسيده ؛ فيصير كأنه يقول : ما لكم ألا تنفقوا لأنفسكم ، وما يرجع إلى منافعكم ، قبل أن يصير ذلك ميراثا لغيركم ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً . . .
الآية . قال بعضهم :
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ
، أي : لا يستوي منكم من آمن قبل الفتح ؛ لأن قبل الفتح كان على من آمن خوف الهلاك وأنواع العقوبات ؛ لأن الغلبة في ذلك الوقت كانت لأهل الكفر ؛ لذلك لم يستو من آمن منهم قبل الفتح ، ومن آمن منهم بعد الفتح ، وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أنه قال : « لو وزن إيمان أبي بكر بإيمانهم لرجح » ؛ لأن إيمانه - رضي اللّه عنه - في وقت الخوف على متبعي الإسلام . أو لما يكون بإيمانه إيمان نفر كثير ؛ لأنه كان رئيسهم ، وكذلك الإنفاق في ذلك الوقت أفضل وأعظم ، لما في الإنفاق في ذلك الوقت معونة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولمن تابعه . أو لما أن الإنفاق من بعد الفتح يقع به طمع الوصول إلى المنافع والأبدال من الصدقات والمغانم ، وقبل الفتح ، لم يكن ذلك المعنى ، فهو لله خالص بلا بدل ولا طمع كان معه ، واللّه أعلم .