تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
وروي في بعض الأخبار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :
نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
: ما أفرطوا من أولادهم . وقوله - عزّ وجل - :
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ
منهم من قرأ :
لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ
، ومنهم من قرأ مقطوعة من ( أنظرت ) ؛ قال أبو عبيدة : فالاتصال أحب إلينا ؛ لأن تأويلها - واللّه أعلم - : انتظرونا ، يقال منه : نظرت فلانا أنظره . وأما القراءة الأخرى ؛ فإنها من التأخير ؛ يقال منه : أنظرت فلانا أنظره ؛ إذا أخرته ، ولا أعرف للتأخير هاهنا موضعا . وقال أبو عوسجة : أنظرته ونظرته ، أي : انتظرته ، يقال منه : نظر نظرة . ثم الآية دلت على أن أهل النفاق يكونون ببعد من المؤمنين وألا ينتفعوا بنور المؤمنين ، ولكن يرون ذلك اليوم من بعد ؛ حيث قالوا :
انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ
، ولو كانوا بقرب منهم أو ينتفعون بنورهم ، لكانوا لا يطلبون منهم الانتظار لهم ، والاقتباس من نورهم ، واللّه أعلم . وقوله :
قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً
من الناس من يقول : إن هذا هو الاستهزاء الذي ذكر في آية أخرى : أنه يستهزئ بهم ، حيث قال :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[ البقرة : 15 ] ، فقوله :
ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً
هو ذلك الاستهزاء . وقلنا نحن في قوله :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
، أي : يجزيهم جزاء استهزائهم ، الذين استهزءوا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبالمؤمنين . وجائز أن يكون قوله :
ارْجِعُوا وَراءَكُمْ
ليس على الأمر بالرجوع من وراء والتماس النور ، ولكن على التوبيخ والتعيير ، أي : النور إنما يطلب من وراء هذا اليوم ؛ أي : من قبل هذا اليوم ، لا يطلب فيه ، واللّه أعلم . وقوله :
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ
الآية . جائز أن يكون السور الذي ذكر الذي ضرب بينهم ما ذكر في سورة الأعراف ؛ حيث قال :
وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ
[ الأعراف : 46 ] السور : هو الأعراف التي ذكر أنها تكون حجابا بين أهل النار وأهل الجنة ، يرفع ذلك السور بينهم ؛ لئلا ينتفعوا بنور المؤمنين . وقوله :
لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ .
جائز أن يكون قوله :
بابٌ
ليس على حقيقة الباب ، ولكن الباب كناية عن الطريق والسبيل ؛ يقول : هو طريق وسبيل ، من يأخذ ذلك السبيل ، أفضاه إلى الرحمة ، ومن