تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
وقيل « 1 » : لا يستوي من هاجر ومن لم يهاجر ، ولا هجرة بعد فتح مكة ؛ فلذلك روي عنه صلى اللّه عليه وسلم : « لا هجرة بعد اليوم ، ولكن جهاد ونية » « 2 » وقوله - عزّ وجل - :
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى
، أي : وعد اللّه لكلا الفريقين : من أنفق قبل الفتح وبعده الجنة والثواب الحسن . وقال بعض أهل التأويل : هذه الآية نزلت في فتح الحديبية ، فقيل : يا رسول اللّه ، فتح هو ؟ قال : « نعم ، فتح عظيم » « 3 » . وعن قتادة : هو فتح مكة « 4 » ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
فيه ترغيب وترهيب فيما يرغب ويرهب عنه . وقوله - عزّ وجل - :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ
قد ذكرنا فيما تقدم : أنه - جل وعلا - عامل عباده بكرمه وجوده معاملة من لا حق له ولا ملك في أنفسهم وأموالهم ، لا معاملة من حقيقة أملاكهم وأموالهم وأنفسهم له ؛ من نحو ما ذكر من الإقراض له ، وما ذكر من شرائه أنفسهم وأموالهم منهم بأن لهم الجنة ، وما ذكر لأعمالهم من الأجر ، وهم عبيده ، وأعمالهم التي يعملون لأنفسهم ، كأنهم عاملون له ، وما يمسكون لأنفسهم ويدخرونه في وقت الحاجة لهم ، سماه : قرضا ، وما يكتسبون به للحياة الدائمة والنعم الباقية ، فهم المنتفعون بها ، ولا أحد في الشاهد يستقرض مال نفسه من آخر ببدل ثم يعطي له الأجر على ذلك ؛ هذا كله خارج عن عادة الخلق ، وطبعهم ، وصنيعهم بعضهم مع بعض ، لكن عاملهم بما يليق بكرمه وجوده [ و ] عد لهم بما أمسكوا لأنفسهم أضعافا مضاعفة . ثم جائز تسميته ما يمسكون لوقت حاجتهم : قرضا ؛ لئلا يمنوا على الفقراء وأهل الحاجة بما أعطوهم منه ؛ لما عرف - جل وعلا - من طبعهم الامتنان عليهم ، أو لما يدفع عنهم مئونة حفظ ذلك إلى وقت حاجتهم من السرقة ، والغصب وغير ذلك من أنواع ما يخاف التلف منها ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) قاله مجاهد ، أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وعبد بن حميد عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 248 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 6 / 3 ) كتاب الجهاد : باب فضل الجهاد . . . ( 2783 ) ، ومسلم ( 2 / 986 ) كتاب الحج : باب تحريم مكة . . . ( 445 / 1353 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) تقدم .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 519 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم