وقوله - عزّ وجل - :
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
: إيلاج الشيء : إنما هو إدخاله فيه على إبقاء المدخل فيه ؛ هذا هو المعروف ، لكن ما ذكر هاهنا من إيلاج هذا في هذا ، وهذا أن جعل ما كان في حال الاستواء في حد الليل نهارا ، وجعل ما كان في حال الاستواء في حد النهار ليلا ؛ على إتلاف كل واحد منهما بالآخر ، لا على الإبقاء ، وفي ذلك وجوه من الدلالة : أحدها : يدل ذلك على أنه فعل واحد عليم له تدبير ، لا فعل عدد ، أو لا تدبير له ؛ لأنه لو كان فعل عدد ، لكان لا يجري على سنن واحد وتدبير واحد منذ كان إلى أبد الآبدين ؛ بل يقع في ذلك تمانع وتغالب يمنع كل واحد ما له مما لغيره ، ولغلبه عليه ، ولا يوافقه في تدبيره ؛ على ما يكون من عادة الملوك ؛ على ما قال :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] ، وقال :
إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
[ المؤمنون : 91 ] ، واللّه الموفق .
وفيه دلالة البعث ، [ و ] هو إتيان الليل بعد ذهاب أثر النهار ، وإتيان النهار بعد ذهاب أثر الليل ، ونحو ذلك ؛ على ما تقدم ذكره .
وقوله :
وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
، قال أهل التأويل : أي : عليم بما في الصدور .
وجائز أن يكون تأويله : وهو عليم بما في الصدور : أرباب الصدور ، وهم البشر الذين لهم الصدور والتدبير ؛ لأن الصدور إنما يقال للذين لهم تدبير وتمييز ، وهم البشر ، واللّه أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 7 إلى 15 ]
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ( 7 ) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 9 ) وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 10 ) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ( 11 )
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 ) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ ( 13 ) يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 ) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 15 )
وقوله - عزّ وجل - :
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
الإيمان بالله : هو أن تجعله رب كل