تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
والثاني : يخبر أن السماء والأرض مع ثقلهما وكثافتهما لا يستران ولا يحجبان عليه الوالج فيهما ، والخارج منهما والنازل منهما ، والإحاطة بذلك ؛ ليعلم أن لا شيء يحجب عنه ، ولا يخفى عليه شيء ، ولا يعجزه شيء ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
هذا الحرف يخرج على وجهين : أحدهما :
وَهُوَ مَعَكُمْ
: أي : عالم بكم وبأفعالكم ، ومحيط بكم ، وحافظ عليكم . والثاني :
وَهُوَ مَعَكُمْ
يتوجه المعنى فيه لاختلاف الأحوال ؛ يقول : إن كنتم محبين له ، خاضعين مطيعين ، فهو معكم بالنصر لكم والمعونة على أعدائكم ، وإن كنتم معرضين عنه معاندين فهو معكم بالمعونة عليكم ، والانتقام منكم ، واللّه أعلم . وقوله :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
قال أهل التأويل : أي : علمه وسلطانه وقدرته معكم أينما كنتم ، وأصله ما ذكرنا فيما تقدم : أنه إذا ذكر - جل وعلا - بلا ذكر الخلق معه ، ولا ضم أحد إليه سواه ، يوصف بالأزل ، فيقال : لم يزل عالما قادرا خالقا ، بلا ذكر وقت ، ولا حد ولا شيء من المكان وغيره ، وإذا ذكر معه شيء من الخلق يذكر على ما عليه هذا الخلق من الوقت والمكان والأحوال للخلق دون اللّه تعالى ، فيقال : لم يزل عالما للخلق وقت كونهم ، لم يزل خالقا للعالم وقت كونه ؛ حتى لا يتوهم قدم المخلوق ، وعلى ذلك قوله تعالى :
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ
الآية [ محمد : 31 ] ،
لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ
[ المائدة : 94 ] وقوله تعالى :
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ
[ الحديد : 25 ] ، وقوله :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ . . .
الآية [ البقرة : 155 ] ، وقوله تعالى :
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ
[ العنكبوت : 11 ] ، ونحوها مما كثر ذكره كذلك على ما عليه أحوال الخلق ، فعلى هذا قوله :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
، ولا قوة إلا بالله . وقوله - عزّ وجل - :
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، الملك إنما ينسب بحق نفاذ المشيئة والأمر والولاية ، فجائز أن يكون قوله :
مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، أي : له نفاذ المشيئة ، وله الولاية في السماوات والأرض ، وعلى أهلهما ، وله السلطان عليهم ، واللّه أعلم . وجائز أن يكون قوله :
مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، أي : له خزائن السماوات والأرض ، يعطى من يشاء ، ويحرم من يشاء ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
أي : إلى اللّه يرجع تدبير الأمور من إحداث وتكوين وإعطاء وبذل ومنع وحرمان ، ليس تدبير ذلك إلى الخلق ، واللّه أعلم . وجائز أن يكون قوله :
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
، أي إلى اللّه ترجع أمور الممتحنين في الآخرة من الحساب والسؤال ، والثواب والعقاب وغير ذلك ، واللّه أعلم .