تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
الحرف الآخر وينفيه في الشاهد ، فإنما ذكر هذه الأحرف لنفسه ؛ ليعلم ألا يفهم من أوليته أولية الأشياء ، ولا يفهم من آخريته ما يفهم من آخرية الأشياء ، وكذلك ما ذكر من ظاهريته وباطنيته ، وهذا كما ذكر : أنه عظيم ولطيف ، وكل واحد منهما في الشاهد مما يناقض الآخر وينفيه : ما عظم ينفي ويناقض ما لطف ؛ لئلا يفهم من عظمة ما يفهم من عظمة غيره ، ولا من لطافته [ ما يفهم ] من لطافة غيره ، واللّه الموفق . وقال بعضهم : الأول : الذي لا ابتداء له ، والآخر : الذي لا انتهاء له ، والظاهر : هو الغالب القاهر ، الذي لا يغلبه شيء ، والباطن : الذي لا تدركه الأوهام . وقال بعضهم : هو الأول الذي له أولية الأشياء ، والآخر الذي له آخرية الأشياء ، والظاهر بالحجج والآيات ، والباطن الذي لا تدركه الأوهام ، واللّه الموفق . وقوله - عزّ وجل - :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
كأن خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام : الستة الأيام التي تدور عليها أيام الدنيا ، وهي أيام حكمة ، فإنما خلق في هذه الأيام كيان الأشياء وأصولها ، لا أنه خلق كلية الأشياء فيها ، وما يكون أبد الآبدين ، فعلى هذا التأويل يكون قوله :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
أي : استوى أمره ، فخلق الممتحن ، وهم البشر ؛ إذ المقصود بخلق هذه الأشياء كلها البشر ، ولهم إنشاء هذه الأشياء . وإن كان المراد من قوله :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
أيام الدنيا الذي يكون اليوم مقداره ألف سنة ؛ على ما ذكره في آية أخرى ؛ فيكون ما ذكره من خلق السماوات والأرض وما بينهما خلق أصول الأشياء وكيانها وما يتولد منها ، بل يقع ذلك على الكل ، فيكون على هذا تأويل قوله :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
البعث ؛ أي : استوى خلق ما خلق وأنشأ من العالم بالبعث ما لولا ذلك البعث لم يكن إنشاء هذا العالم الأول حكمة ؛ فالمقصود من إنشاء هذا العالم البعث ، وله يصير إنشاؤه حكمة ، فيكون به استواء الأمر . ثم تأويل العرش : يحتمل الملك ؛ استوى ملكه بخلق الممتحن أو بالبعث الذي ذكرنا ، ولا نفسر أنه ما أراد بقوله :
اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
؛ لأنه لا يعلم ما أراد به ، إذ قال في ذلك :
فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً
[ الفرقان : 59 ] أمر أن يسأل به خبيرا ، ولم يرد بذلك : أنه يسأل به عنه ؛ فلا يسمع تفسيره ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها
، أي : كثرة ذلك وازدحامه ، لا يلتبس عليه ولا يستر عنه شيء .