تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
أعلم . وقال القتبي : لا ، ولكن ذكر البطانة من إستبرق ، ولم يذكر الظهارة ، والعرف في الناس : أن ظهارة فرشهم أنفس من البطانة ، والبطانة دون الظهارة ، فعلى ذلك في ذكر البطانة ووصفها بأنها من الإستبرق دلالة أن ظهارتها أرفع وأنفس من البطانة . لكن ما قاله الفراء صحيح ، وما ذكره القتبي هو من صنيع الناس في الدنيا من اتخاذ الظهارة فوق البطانة ؛ لما لا تحتمل أملاكهم التسوية بين ما بطن وما ظهر في النفاسة والرفعة ، فأما اللّه - سبحانه وتعالى - فلا نفاد لخزائنه ، يفعل ما يشاء كيف شاء . وعن ابن مسعود - رضي اللّه عنه - أنه قال : قد أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهارة ؟ « 1 » ثم الإستبرق اختلف فيه : قيل « 2 » : هو ما غلظ منه بلسان قوم . وقال بعضهم : هو ما دق ورق ، واللّه أعلم . ولا نفسره نحن : أنه ما هو ؟ وكيف هو ؟ ولكن نعلم أنه شيء وعد لهم ربهم ، وهو شيء ترغب فيه أنفسهم ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ
جائز أن يكون ذكر هذا في حق السابقين الذين سارعوا في الخيرات ، واستبطئوا ما وعد لهم بما لم يروا لطاعاتهم قيمة ، ويغلبهم خوفهم في التقصير في العمل لله تعالى الواجب عليهم ، وفي أوامره ونواهيه ، فقال :
وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ
اللتين وعد لكم
دانٍ
، قال أهل التأويل : أي : الشجر دان منهم ، قربت حين يتناولها الرجل كيف شاء ، لكن يذكر هنا - واللّه أعلم - : أن الجنتين وإن بعدتا ، فإن الثمار منهم دانية . قال أبو عوسجة : الجنى : الحمل ، وأجنت الشجرة تجنى ؛ إذا حملت وأدرك حملها . وقوله - عزّ وجل - :
فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ
أي : قصرن طرفهن على أزواجهن ، ولا ينظرن إلى غيرهم ، ولا يشتهينهم ، وقال في آية أخرى :
حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ
[ الرحمن : 72 ] ذكر هذا ؛ لأن أهل الدين يكونون من أهل غيرة ، لا يريدون أن تنظر أزواجهم إلى غيرهم ، ولا غيرهم ينظرون إليهن ، فأخبر بالآيتين : أنهن لا ينظرن إلى غير
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 33106 ) والفريابي وعبد بن حميد وعبد اللّه بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 204 ) . ( 2 ) أخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال : والإستبرق لغة فارس يسمون الديباج الغليظ الإستبرق . انظر : الدر المنثور ( 6 / 204 ) .