تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
وقوله - عزّ وجل - :
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ
، اختلف في تأويله : قال بعضهم : أي : لا يسأل إنسي ولا جني عن ذنب غيره ، إنما يسأل عن ذنب نفسه ؛ نحو ألا يسأل من أضل غيره عن ضلال ذلك الغير ، إنما يسأل الذي أضله عن إضلاله ، ويسأل الضال عن ضلاله كقوله :
رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا . . .
الآية [ فصلت : 29 ] . ومنهم من قال : لا يسأل بعض عن بعض ، أي : لا يسأل جني عن ذنب إنسي ، ولا إنسي عن ذنب جني . ومنهم من قال : لا يسألون سؤال استخبار واستفهام ؛ أي : لما ذا فعلتم ؟ ولكن يسألون لم فعلتم يطلبون عن الحجة ، لا عن نفس الفعل ؛ لأن كل ذي مذهب ودين ، إنما يفعل لحجة تكون له . ومنهم من قال : لا يسألون عن ذنوبهم ، ولكن يسألون عما في وجوههم من الأعلام من الاسوداد ، وزرق العيون ، وغير ذلك مما ذكر في الكتاب : أنها تكون للكفار ، كقوله تعالى :
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ
[ عبس : 40 ] ، وقوله تعالى
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ . . .
الآية [ آل عمران : 106 ] ، وما ذكر من أعلام المؤمنين من قوله :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ . إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
[ القيامة : 22 ، 23 ] ، وقوله تعالى :
ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ
[ آل عمران : 107 ] . وقال بعضهم « 1 » : لا يسأل الملائكة عن المجرمين ؛ لأنهم يعرفون بسيماهم كقوله - عزّ وجل - :
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ
ذكر اللّه تعالى في كتابه للمجرمين أعلاما يعرفون في الآخرة بها على ما ذكرنا من اسوداد الوجوه ؛ كقوله :
قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ . أَبْصارُها خاشِعَةٌ
[ النازعات : 8 ، 9 ] ، وقوله :
نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها
[ النساء : 47 ] ، أي : على أعقابها ، فهو - واللّه أعلم - تكون وجوههم في بعض الأحوال خاشعة ، ثم غبرة ، ثم مسودة ، ثم تطمس من نظر ذلك ، فنعوذ بالله من تلك الأحوال التي ذكر . وقوله - عزّ وجل - :
فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ
، قيل « 2 » : بكسر أضلاعهم وظهورهم ، فتجمع أقدامهم ونواصيهم ، فيرمى بهم في النار . وقال بعضهم « 3 » : تغل أيديهم إلى أعناقهم ، ثم تجمع به نواصيهم وأقدامهم ، ثم
هامش
( 1 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير ( 33061 ) وآدم وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الشعب عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 200 ) . ( 2 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 200 ) . ( 3 ) انظر : تفسير ابن جرير ( 11 / 600 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 477 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم