تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
فإن قيل : إنه قد ذكر في أول الآيات : الآلاء والنعم ، فقرن بآخرها :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
، وقد انقطع ذكر الآلاء هاهنا ، ونذكر المواعيد في هذه الآيات ، فما فائدة قران قوله :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
بآخرها . قيل : إن في الوعد ترغيبا ، وفي الوعيد ترهيبا ؛ فيرغب في الوعد ، ويخاف ويرهب من الوعيد ؛ فيرتدع ويمتنع عما يوعد ؛ فيكون في ذلك نعمة عظيمة ؛ إذ بالوعد والوعيد تتم المحنة ، وبالمحنة تتم النعمة ؛ لذلك ذكر على إثر الوعيد :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ .
قوله تعالى :

[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 37 إلى 45 ]

فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ ( 37 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 38 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ( 39 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 40 ) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ ( 41 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 42 ) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ( 43 ) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ( 44 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 45 ) وقوله - عزّ وجل - :
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
يذكر تغير هذا العالم يومئذ لهول ذلك اليوم ، وهو كما ذكر من تبديل السماء والأرض ؛ حيث قال :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ
[ إبراهيم : 48 ] ، وقوله :
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ
[ الأنبياء : 104 ] في غير ذلك من الآيات ، وكذلك ما ذكر من تغيير الجبال من قوله :
هَباءً مَنْثُوراً
[ الفرقان : 23 ] ، وقوله :
كَثِيباً مَهِيلًا
[ المزمل : 14 ] ، وقوله :
كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
[ القارعة : 5 ] ، ونحو ذلك . ثم قوله تعالى :
فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
منهم من قال : شبه السماء ؛ لكثرة تلونها بفرش الورد يكون في الربيع بلون ، ثم يصير إلى لون آخر ، ثم إلى آخر ؛ فعلى ذلك ما ذكر من تغيير السماء وتلونها . ومنهم من قال : شبهها بالدهان ، وهو الدهن ؛ للينها وضعفها ، وهو قد ذكر في آية أخرى :
يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ
[ المعارج : 8 ] ، والمهل : هو دردي الزيت ، لكن التشبيه بالمهل إنما يكون ؛ لكثرة التلون لا للين ؛ فيكون في هذا التأويل نوع وهاء ، واللّه أعلم . وقيل : إنما تحمر وتذوب كالدهن . وروي : أن سماء الدنيا من حديد ، فإذا كان يوم القيامة ، صارت من الخضرة إلى الاحمرار ، وحر جهنم كالحديد إذا حمي بالنار . ثم قال بعضهم « 1 » : الدهان : جمع الدهن ، ويقال : الدهان : الأديم الأحمر ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 199 ) .