تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
وعندنا أن الفراغ : هو اسم لانقضاء الفعل وتمامه ، لا للفراغ عن الشغل ، يقال : فلان فرغ من شغله : إذا فرغ [ ، وفرغ ] من بناء داره ، إذا أتمه وانقضى ذلك ؛ ألا ترى أنه وإن فرغ من شغل تلك الدار وذلك العمل ، فهو مشغول بغيره ، دل أنه ليس باسم للفراغ من الشغل ؛ إذ لو كان اسما للفراغ من الشغل لا يوصف به وهو مشغول بغيره ؛ دل أنه اسم التمام والانقضاء ، لكن فهم الخلق بعضهم من بعض الفراغ من الشغل ؛ لما أن فعلهم للشيء لا يلتئم إلا بالشغل في ذلك ؛ فيفهم ذلك من فعلهم ، فأما الله - سبحانه وتعالى - حيث لا يشغله فعل عن فعل ، ولا شيء عن شيء ، لم يجز أن يفهم من فراغه من الشغل فراغه ، فبالله العصمة والتوفيق . وقوله - عزّ وجل - :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ
، له تأويلان : أحدهما : كأنه يقول : لو مكن لكم النفاذ من أقطار السماوات والأرض ونواصيها ، فتنفذون فتجدون هنالك ، وترون من آيات من كذب بالرسل وما حل بهم بالتكذيب . ثم قال :
لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ
أي : لا تنفذون لو مكن لكم من النفاذ إلا وتجدون حجج من أهلك منهم ظاهرة أنه بم أهلكهم ؟ وهو كقوله تعالى :
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
[ آل عمران : 137 ] أمرهم بالسير في الأرض والتدبر في آثار من أهلك بما ذا أهلك من أهلك منهم ؟ وبما ذا نجا من نجا ؟ واللّه أعلم . والثاني : على الإعجاز ، أي : لا تستطيعون أن تخرجوا أو تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ، ولو مكن لكم من النفاذ والخروج منها لوجدتم ثمّ سلطاني وحجتي وملكي هنالك قائما ، أي : لا تقدرون [ على ] الخروج من سلطاني وملكي حيثما كنتم ؛ بل حيثما سرتم كنتم في سلطاني وملكي ؛ فلا تتخلصون من الموت والهلاك ، وهو كقوله تعالى :
فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ . . .
الآية [ الأنعام : 35 ] . وقال الضحاك : في حرف ابن مسعود - رضي اللّه عنه - : يا معشر الجن والإنس قد جاء أجلكم فانفذوا من أقطارهما لا تنفذوا إلا بسلطان ، يعني : أنه لا يجيركم أحد من الموت وأنتم ميتون ؛ أي : لا تأتون قطرا من أقطار السماوات والأرض إلا وجدوا هنالك سلطان اللّه وملائكته ؛ يقول : لا تستطيعون فرارا من الموت ولا محيصا ، وإن نفذتم من أقطار السماوات والأرض فلم تخرجوا من سلطاني وأنا آخذكم بالموت حيث كنتم ، وهو كقوله :
يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
[ النساء : 78 ] .