تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 473

مساهمون:

ص٤٧٣
المفزع في الأحوال كلها ، وللخلائق كلهم ، ومنه يسألون الرزق والنجاة ، وهو ما ذكر :
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ . . .
الآية [ الأنعام : 63 ] ، وقوله - عزّ وجل -
قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ
[ الأنعام : 64 ] وقوله :
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ
[ الزمر : 8 ] ، وقوله تعالى :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ
[ النحل : 53 ] هنا صلة قوله :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ . وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
يقول - واللّه أعلم - : شأنه وأمره باق دائم أبدا ، وذهاب الخلق لا يدخل نقصا في شأنه وأمره ، ولا وهنا في سلطانه وملكه ؛ بل هو في شأنه وأمره عند فنائهم كهو في حال بقائهم . وجائز أن يكون ما قال بعض أهل التأويل : إن اليهود قالت : إن اللّه تعالى استراح يوم السبت لا يقضي بشيء ، ولا يحكم ولا يأمر ، ولا يفعل فعلا ؛ فنزلت الآية عند ذلك
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
من إحداث وإفناء ، وإحياء وإماتة . وأصله : أن اللّه تعالى إذا وصف بشيء يوصف بالأزل ، يقال : عالم لم يزل ، قادر لم يزل ، رازق بذاته لم يزل ، وإذا ذكر بأمر وتدبير مضاف إلى الخلق يوصف على ذكر الوقت ؛ فيكون الوقت للخلق لا له ، نحو أن يقال : إن اللّه تعالى لم يزل عالما بجلوسك هاهنا ، أو في هذا الوقت ؛ أي : لم يزل عالما أنه يجلس الآن ، أو يجيء الآن ، أو في هذا الوقت ، وإذا وصفته بالماضي ، قلت : لم يزل عالما بما كان ، وبالمستقبل : لم يزل عالما بما يكون أنه يكون في وقت كذا ، وللحال : لم يزل عالما بكونه كائنا للحال ، ونحو ذلك ، نفيا لوهم الخلق : أن المخلوق كيف يكون في الأزل ؟ ! فعلى ذلك قوله - عزّ وجل - :
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
ذكر اليوم والوقت ؛ لئلا يتوهم بكون الخلق قديما ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ . . .
الآية ، قرئ :
سَنَفْرُغُ
بالنون والياء ، [ و ] برفع الراء في الحالين . قال أبو عبيد : بالياء يقرؤها كقوله تعالى :
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ذكر على المغايبة ، فكذلك هذا الذي قرئ عليه . قال الزجاج : قوله تعالى :
سَنَفْرُغُ لَكُمْ
ليس هو الفراغ عن الشغل ، لكن كما يقول الرجل لآخر : سأفرغ لك كذا ، أي : سأجعل لك ، أو كلام نحوه . ومنهم من يقول : هذا على الوعيد في كلام العرب ، يقول الرجل : سأفرغ لك ، وإني لفارغ ، على الوعيد . وقال أبو بكر الكيساني : إن الفراغ ليس يستعمل عند الفراغ عن الشغل خاصة ، لكن يستعمل له ولغيره من نحو : إنجاز ما وعد ، وأوعد ؛ كأنه قال : سننجز لكم ما أوعدتكم أيها الثقلان .