وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ .
قال عامة أهل التأويل « 1 » : إن اليهود جادلوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في الدجال أنه منهم ، وأنه في الطول كذا ونحوه ؛ وعلى ذلك نسق « 2 » الآيات التي تتلو هذه الآية .
ولكن لسنا ندري بما ذا صرفوا مجادلتهم في آيات اللّه إلى المجادلة في الدجال ، ولا يسع أن نحمل ما ذكر من مجادلتهم في آيات اللّه على المجادلة في الدجال ، إلا أن يثبت خبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بطريق التواتر أن المجادلة المذكورة في الآية في الدجال ؛ فحينئذ يصرف إلى ذلك ، واللّه أعلم .
ثم قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ
أي : يجادلون في دفع آيات اللّه بغير حجة أتتهم من اللّه ، وكانت المجادلة في دفع آيات اللّه من رؤساء الكفرة وأكابرهم ، كانوا يموهون بمجادلتهم في دفع آيات اللّه تعالى والطعن فيها على أتباعهم وسفلتهم ؛ ليبقى لهم الرئاسة والمأكلة التي كانت لهم ، وهو ما ذكر :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ . . .
الآية [ الأنعام : 112 ] ،
وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها
[ الأنعام : 123 ] وغير ذلك من الآيات ، لم يزل الأكابر منهم والرؤساء يطعنون في آيات اللّه تعالى ويدفعونها ، يريدون التمويه والتلبيس على أتباعهم وسفلتهم ، ليبقى لهم العز والشرف الذي كان لهم ، ويبطلوا به الحق ، ويطفئوا نوره ؛ كقوله - عزّ وجل - :
لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ
[ الكهف : 56 ] ، وقوله - تعالى - :
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ
[ التوبة : 32 ] هذا كان مرادهم من مجادلتهم في آيات اللّه والطعن فيها .
ثم أخبر - عزّ وجل - أنهم يجادلون ، ويفعلون ذلك ؛ تكبرا منهم على آيات اللّه والخضوع لرسله ، حيث قال - عزّ وجل - :
إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ .
أي : ما في صدورهم إلا كبر ، أي : كبرهم هو الذي حملهم على المجادلة في آيات اللّه ، ثم الذي حملهم على الكبر جهلهم بسبب العز والشرف ، ظنوا أن العز والشرف إنما يكون بالأتباع الذين يصدرون عن آرائهم ، ولو عرفوا منهم يكون العز والشرف ، لكانوا لا
هامش
( 1 ) قاله أبو العالية أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم بسند صحيح عنه كما في الدر المنثور ( 5 / 661 ) ، وهو قول كعب الأحبار وابن جريج أيضا .
( 2 ) في أ : نسقوا .