تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
يفعلون ذلك ، إنما العز والشرف في طاعة اللّه تعالى واتباع أمره ، ليس في اتباع من اتبعهم ولا في ائتمار من ائتمرهم ، ولكن فيما ذكرنا ، واللّه أعلم . ثم أخبر أنهم ليسوا ببالغين إلى ما قصدوا من إطفاء النور الذي أعطى المؤمنين ، ولا إدحاض الحق وإبطاله حيث قال - عزّ وجل - :
ما هُمْ بِبالِغِيهِ
، وقوله :
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ
[ التوبة : 32 ] . وقوله - عزّ وجل - :
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ .
قال عامة أهل التأويل « 1 » : أمره أن يستعيذ بالله من فتنة الدجال ، لكن عندنا : أمره أن يتعوذ بالله من مكائد أولئك الأكابر والفراعنة ، قد هموا أن يمكروا به ويكيدوا ، أمره أن يتعوذ بالله من مكرهم وكيدهم ، كما أمره أن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، حيث قال :
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ . . . .
الآية [ المؤمنون : 97 ] ، وهذا أولى من الأول ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ .
قال أهل التأويل : أي : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الدجال ، لكن قد ذكرنا بعد صرف الآية إلى الدجال . ثم يحتمل قوله :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
وجهين : أحدهما : الآية نزلت في مقرين بخلق السماء والأرض ، منكرين بالبعث ؛ يقول : إن خلق السماوات والأرض مبتدأ بلا احتذاء بغير أكبر وأعظم من إعادة الناس ، فإذا عرفتم أنه قدر على خلق السماوات والأرض مبتدأ بلا احتذاء بغير ، لكان قدرته على إعادة الخلق أحق ؛ إذ إعادة الشيء في عقولكم أهون من البداية ؛ كقوله :
وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
[ الروم : 27 ] ، فكيف أنكرتم قدرته على البعث وقد أقررتم بقدرته على خلق ما ذكر ؟ ! والثاني : أن تكون الآية نزلت في مقرين بخلق الناس منكرين بخلق السماوات والأرض ؛ يقول : إن خلق السماوات والأرض وإمساكها في الهواء بلا تعليق من الأعلى ولا عماد من الأسفل ، مع غلظها وكثافتها أكبر وأعظم في الدلالة على حدثها وخلقها من خلق الناس ؛ لأن خلق الناس إنما يكون بالتغير والتولد من حال إلى الحال الأخرى ، فيجوز أن يتوهم كون ذلك وافتراقه ثم اجتماعه من بعد وظهور ذلك منه ، وأمّا السماء فهي على حالة واحدة فلا يتمكن توهم ذلك لما ذكرنا .
هامش
( 1 ) هو قول أبي العالية وغيره كما سبق .