تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
أي : طاغون في ذلك ، والطغيان : هو المجاوزة عن الحد في العداوة . وقوله :
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ
أي : يعلمون أنك لست بمتقول ، ولكن ينسبونك إلى التقول ، لتكذيبهم بآيات اللّه تعالى ؛ وهو ما ذكر في آية أخرى :
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ
- بالتخفيف والتشديد -
وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
[ الأنعام : 33 ] يقول : إنهم لا يقولون : إنك كاذب فيما تقول ، ولا ينسبونك إلى الكذب ، ولكن إنما يكذبون الآيات ، ويعتقدون كذبها ؛ فعلى ذلك تقوله على علم منهم : أنك لم تتقول ، ولكن اعتقدوا تكذيب الآيات والجحود لها ، فيقولون : إنك تتقول من [ عند نفسك ] ، قال :
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ
، أي : لو كانوا صادقين بأن محمدا يتقول على اللّه ، فليأتوا بمثل ما أتى به محمد . ثم قوله - عزّ وجل - :
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ
وإن خرج مخرج الأمر في الظاهر ، فهو في الحقيقة ليس بأمر ؛ لأنه لا يحتمل أن يأمرهم أن يأتوا بالكذب والافتراء ، ثم هذا يخرج على وجهين : أحدهما : على الإعجاز عن أن يأتوا بمثله . والثاني : على التوبيخ والتوعيد على ما قالوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الافتراء والتقول ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ
قال عامة أهل التأويل « 1 » : أم خلقوا من غير أب ، ولكن ليس فيما ذكروا كثير فائدة ، لو خلقوا من غير أب ، إلا أن يريدوا بذلك : حتى لم يعرفوا من خلقهم ، وممن خلقوا ، بل كانت لهم آباء عودوهم وأعلموهم بأن لهم خالقا ، وأنهم مخلوقون ، وليسوا بخالقين ، أو كلام نحوه ، فكيف يتكلمون بما هو سفه ، وكيف يصرون عليه . وعندنا يخرج على وجهين : أحدهما :
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
أي : يعلمون أنهم لم يخلقوا لغير شيء ، إذ [ لو ] خلقوا من تراب ، ولغير معنى وحكمة ، لكان خلقهم عبثا باطلا ، وهم يعلمون أنهم لم يخلقوا لعبا باطلا . والثاني : يقال : لا يخلو إما أن يكون خلقوا من غير شيء ، أو خلقوا من تراب وماء ، فكيفما كان ؛ فدل أن قدرته ذاتية لا مستفادة ؛ فلا يحتمل أن يعجزه شيء .
هامش
( 1 ) انظر : تفسير ابن جرير ( 11 / 495 ) .