تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
أنفسهم ولا آفة ؛ لأن ذلك ينغص عليهم ذلك ، ليس كما يؤكل في الدنيا ، فيه خوف التبعة ، وخوف حدوث المكروه والآفات في أنفسهم والضرر ، فأخبر : ألا يكون لهم في الجنة ذلك ؛ لئلا ينغص عليهم نعمها ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ
ذكر [ أن ] لهم في الجنة جميع ما ترغب إليه أنفسهم في الدنيا ، ويتمنون بها ، كقوله تعالى :
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ
[ الطور : 24 ] ، وقوله :
وَكَواعِبَ أَتْراباً . وَكَأْساً دِهاقاً
[ النبأ : 33 ، 34 ] ، وقوله - عزّ وجل - :
فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ . وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ . وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ . وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ
[ الغاشية : 13 - 16 ] ، وأشباه ذلك مما يكثر عده مما تحدث به أنفسهم في الدنيا ، ورغبهم فيه ؛ ليرغبوا في طلبها وليتركوا ما في الدنيا من ذلك ؛ ليصفوا لهم ذلك في الآخرة . وهذه الأحوال التي ذكر وأخبر أنه تكون لهم في الآخرة من الاتكاء على السرر ، والمقابلة في المجلس وغير ذلك من الأشياء التي ذكرها في الكتاب . ثم قوله - عزّ وجل - :
وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ .
كما يقال : تزوجت بفلانة وفلانة ؛ فعلى ذلك هذا . وقوله - عزّ وجل - :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ .
قيل فيه بوجوه : أحدها : ما قال أبو بكر الكيساني : أي : يلحق الأولاد بإيمانهم وأعمالهم درجات الآباء والأمهات ، ولو قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء والأمهات لأن الدرجات إنما تكون بالأعمال ، فهم وإن لم يبلغوا في الأعمال مبلغ آبائهم ؛ فإنهم يلحقون بهم في الدرجات ، واللّه أعلم . وقال بعضهم : إن الذرية التقنوا الإيمان من آبائهم وأمهاتهم ، وأخذوه منهم ، ولم يبحثوا عن حجته وبرهانه حتى يكون أخذهم وقبولهم عن البحث عن الحجة والبرهان ، فهم وإن كانوا مقلدين آباءهم في الإيمان ، متلقنين منهم فإنهم يلحقون بآبائهم وإن كان الإيمان عن الحجة أفضل من الإيمان بالتقليد والالتقان . وقال بعضهم : إن الذرية وإن لم يبلغوا مبلغا يكون منهم الإيمان ، فإنهم يلحقون بآبائهم وأمهاتهم في إيمانهم ، وإن لم يكن منهم الإيمان ولم يأتوا به ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ .
على تأويل أبي بكر : أي : وما ألتنا من أعمال الذرية من شيء ؛ أي : ما نقصنا أعمال آبائهم في الثواب وإن قصرت أعمالهم عن أعمالهم ، بل يبلغون درجات آبائهم ، ويوفرون