تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
وغلظها ؛ ليعلم أن من فعل هذا ، لا يفعله لغير شيء ؛ بل ليمتحن ، ويأمر ، وينهى ، وليستأدي شكره ، فمن خالف أمره ونهيه ، وكفر نعمه ، وانتهك محارمه ، استوجب ما ذكر ، واللّه أعلم . وليعلم أن من قدر على ما ذكرنا قادر على كل شيء ، لا يعجزه شيء ، يذكر سلطانه وقدرته وعظمته ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ .
قال أهل الأدب : هو البحر الملآن الحار ؛ لأنه - جل وعلا - منذ أنشأه ، أنشأه حارّا ممتلئا ، عميقا ، لم يتغير في وقت من الأوقات ، ولا في حال من الأحوال ، بل كان على حالة واحدة حارّا ، مالحا ممتلئا عميقا عريضا ، ليس كسائر الأنهار التي ربما تتغير عن جهتها من قلة الماء وسكونه وغورها في الأرض وامتلائها من الطين ، وحاجتها إلى الحفر ، وغير ذلك من التغير الذي يكون بها ، فأما البحر على حالة واحدة في الأحوال كلها ، فأقسم به :
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ
، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً . وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً .
بين الوقت الذي ينزل بهم العذاب الموعود حين قال :
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ
، ودل أن وقت تعذيب هذه الأمة يوم القيامة ، وهو ما قال - عزّ وجل - :
وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ
[ القمر : 46 ] . وفيه وصف ذلك اليوم بالأهوال والشدة ؛ لأنه تعالى ذكر أن السماء تمور مورا ، أي : تستدير استدارة ، وتتحرك تحركا ، وذكر سير الجبال وما ذكر ، وهذه الأشياء من أشد الخلائق وأصلبها ، فهول ذلك اليوم وشدته عمل فيها ما ذكر من التحرك والسير والتغير وغير ذلك . وفيه أن هذا العالم كله أنشأه بحيث يفنيه وينشئ عالما آخر ؛ لأنه ذكر فيه التغير من حال إلى حال ؛ لأنه ذكر مرة سيرها وتحركها حيث قال :
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ
[ الكهف : 47 ] ، وذكر السماء وتحركها ومورها ، وذكر للأرض انشقاقها ، حيث قال :
وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ
[ مريم : 90 ] ، وقال في آية أخرى :
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
[ القارعة : 5 ] ، وقال :
يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً
[ طه : 105 ] ، وقال هاهنا :
وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً
، وكذلك قال في السماء والأرض اختلاف الأحوال ، فقال :
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ
[ الأنبياء : 104 ] ؛ فدل إثبات التغير في هذه الأشياء على هلاكها ، كما دل أنواع الأمراض والتغير من حال إلى حال في أهلها على هلاكها ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ . . .
الآية ، أي : المكذبين لرسلهم ،