أَلْسِنَتُهُمْ . . .
الآية [ النور : 24 ] .
وأصله ما ذكر في قوله :
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الزمر : 71 ] ،
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
[ الزمر : 73 ] ، ذكر السوق في الفريقين ، وذكر في الكفرة :
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ
[ الصافات : 22 ] ، وقال - عزّ وجل -
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ
[ فصلت : 19 ] ، فالسائق : هو ملك يسوق إلى ما أمر من الجنة أو النار ، والشهيد هم الملائكة الذين يكتبون علينا الأعمال ، فيشهدون في الآخرة : إن كان شرّا فشرّ ، وإن كان خيرا فخير ، واللّه أعلم بحقيقة ما أراد ، وإن كان ما قالوا فمحتمل ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ .
يقول : لقد كنت في الدنيا في غفلة من هذا تعاين وتشاهد .
أو في غفلة عما أوعدت من المواعيد والشدائد التي عاينتها
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ
أي :
كشفنا عنك الشبه التي تمنع وقوع العلم به والتجلي له
فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
أي : ثاقب نيّر ، يبصر الحق ؛ كقوله - تعالى - :
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا
[ مريم : 38 ] .
وقيل : حديد من الحدة ؛ أي : نافذ لا يخفى عليه شيء ، فكأنه أراد - واللّه أعلم - :
إنك كنت في الدنيا جاهلا عن هذا اليوم ، وعن هذه الحال ، والآن قد عاينت ما كنت عنه في غفلة وأيقنت به ، وهو كقوله - عزّ وجل - :
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ . ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ
[ التكاثر : 6 ، 7 ] .
وقوله - عزّ وجل - :
وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ
أي : يقول الملك الذي كان عليه رقيبا : إن كل ما عمل فهو عندي حاضر من تكذيب وعمل السوء ، فيشبه أن تكون شهادة الحفظة عليه هذا القول .
ويحتمل أن يكون ذلك على السؤال للملائكة عما كتبوا وحفظوا ، يقول كل ملك :
هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ
أي : هذا الذي عمل هذا عندي حاضر محفوظ ؛ إذ الكتاب الذي كتبت فيه أعماله حاضر .
ثم جائز أن الذي يكتب الأعمال ملك واحد على هذا ؛ حيث قال :
وَقالَ قَرِينُهُ
ولم يقل : قريناه ، وإن كان قال :
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ
[ ق : 17 ] على ما ذكرنا أنهما ملكان ، لكن يجوز أن يتولى الكتابة واحد ، والآخر شاهد .
وجائز أن يكونا يكتبان جميعا بقوله :
كِراماً كاتِبِينَ
[ الانفطار : 11 ] لكنه ذكر - هاهنا - بحرف التوحيد فقال :
وَقالَ قَرِينُهُ
لما يقول كل واحد منهما ذلك على حدة ، وهو كما ذكرنا ، وفي قوله :
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ
[ ق : 17 ] أي : كل واحد منهما