ويحتمل ما ذكر من الحق - هاهنا - هو الموت نفسه ؛ أخبر أنه لا بد من الموت ، وأنه كائن لا محالة ، وهو كقوله - تعالى - :
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ
[ الأنبياء : 34 ] يقول : لم يخلق الخلق للخلود في الدنيا ، ولكن للآخرة ، فلا بد من الموت ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
يحتمل وجهين :
أي : أتاك ما كنت تكره مجيئه وتنكر ، ولم تؤمن به ، وهو البعث ويوم القيامة الذي ينكرونه ويكرهونه .
والثاني : يحتمل الموت نفسه ؛ أي : أتاك ما كنت تكره وتفر منه ؛ إذ هم كانوا يكرهون الموت ويفرون منه ؛ كقوله - تعالى - :
قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ
[ الجمعة : 8 ] أي : يأتيكم من حيث لا مفر لكم عنده .
ثم الحيد : الميل والكراهة .
وقال أبو عوسجة : الحيد : الفرار ، يقال : حاد يحيد حيدا فهو حائد .
وقوله - عزّ وجل - :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ .
يحتمل أن يكون أراد النفخة الأولى ، وهي النفخة التي يفزع عندها أهل السماوات والأرض فيموتون .
ويحتمل أن يريد النفخة الثانية التي عندها البعث وإدخال الأرواح في الأجساد .
ويحتمل أن يريد عندما يوضع كل واحد في القبر ، وهو أن يسأل ، على ما جاءت الأخبار من سؤال منكر ونكير ، وذلك أيضا هو يوم الوعيد في حق ذلك الرجل ، وهذا للكافر خاصة .
وقوله - عزّ وجل - :
ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ
أي : ذلك يوم وقوع الوعيد ؛ إذ يوم الوعيد الدنيا ، فأما القيامة فهو يوم وقوع الوعيد وتحققه ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ .
قال بعضهم : السائق : الذي يقبض روحه ، والشهيد : الذي يحفظ عمله .
وقال بعضهم : السائق : هو الملك الذي يكتب عليه سيئاته ، والشهيد هو الذي يكتب حسناته .
وقيل : السائق : هو النار التي تأتي تسوق الكفرة إلى المحشر ، والشهيد هو عمله الذي عمل في الدنيا .
وقيل « 1 » : السائق : الكاتب ، والشهيد : جوارحه بقوله تعالى :
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ
هامش
( 1 ) قاله مجاهد بنحوه ، أخرجه ابن جرير ( 31876 ) والفريابي وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 123 ) .