تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
ساعات ، فإن استغفر الله - تعالى - لم يكتبها عليه ، وإن لم يستغفر كتبها سيئة واحدة » « 1 » . ويجوز أن يكون أحدهما كاتبا دون الآخر ، وإن كانا يتلقيان ويأخذان منه ذلك ؛ لما ذكر في آية أخرى ؛ حيث قال :
وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ
[ ق : 23 ] ، ولم يقرأ : قال قريناه . ويجوز أن يكون المتلقيان جميعا يكتبان ؛ على ما روي عن ابن عباس « 2 » - رضي الله عنه - أنه قال : كاتبان : كاتب عن يمينه ، وكاتب عن يساره ، فيكتبان الحسنات والسيئات ، ثم يرفعان إلى من فوقهما كل اثنين وخميس ، فيثبتون من ذلك من ثواب أو عقاب ، ويلقون ما سوى ذلك . وروي - أيضا - عنه « 3 » وعن غيره « 4 » من أهل التأويل أنهما يكتبان ما كان من خير وشرّ ، وما سوى ذلك فلا . ولكن ظاهر الكتاب يدل على أنه يكتب كل شيء ، وهو قوله - تعالى - :
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
إلا أن يقال : المراد هو قول هو سبب الثواب والمأثم ، كما قال في آية أخرى :
لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
[ الكهف : 49 ] أي : لا يغادر صغيرة من المأثم ولا كبيرة منها ، لا مطلق صغائر الأشياء وكبائرها ، فعلى ذلك هذا ، واللّه أعلم . ثم جعل المتلقيين اثنين يحتمل على ما جعل في الشهادة اثنين فيما بينهم في الأحكام والحقوق يشهدان عليه في الآخرة . وقوله - عزّ وجل - :
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ .
في ظاهر الآية أن الملائكة إنما يكتبون ظاهر الأقوال والأفعال ، لا [ ما ] في الضمائر ، لكنه غير مستنكر في العقول أن يكون اللّه - تعالى - أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم ، فيعرفون ذلك ويكتبونه ، ولكن ظاهر الآية يشير إلى ما قلنا ، واللّه أعلم . ثم قوله - عزّ وجل - :
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ
قال القتبي : أراد
قَعِيدٌ
من كل جانب منهما ، إلا أنه اكتفى بذكر الواحد إذا كان دليلا على الآخر ، و
قَعِيدٌ
بمعنى قاعد ؛ كما يقال : قدير وقادر ، أو يكون بمنزلة أكيل وشريب ، أي : مؤاكل ومشارب ،
قَعِيدٌ
؛
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة ، كما في الدر المنثور ( 6 / 120 ) . ( 2 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في الفدية من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 119 ) . ( 3 ) أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عنه ، ومن طريق عكرمة عنه ، أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 118 ، 119 ) . ( 4 ) قاله عكرمة ، أخرجه ابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 119 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 354 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم