والتسبيح ، والتكبير ، والتهليل ، لم يمتحنهم بذلك لمنافع ترجع إليه في ذلك ، ولكن يمتحنهم بمحن بما شاء ؟ وفيم شاء ؟ ويكون ذلك كله عبادة ، وإن اختلفت أنواعه ، فعلى ذلك أمره إياهم بحفظ أعمالهم وأقوالهم وكتابتها ، واللّه أعلم .
والمحنة بحفظ تلك الأعمال والأصوات وكتابتها أشد من محنة غيرهم من الملائكة بالركوع أو السجود ، أو القيام ، أو التكبير ، أو التهليل ، ونحو ذلك ، ومن محنة بني آدم من إقامة العبادات ، والامتناع من المحرمات ، ونحوها إذ لو اجتمع الخلائق على معرفة كيفية عمل واحد ما قدروا عليه ؛ فدل أن هذا التأويل محتمل .
والثالث : وهو أن اللّه - تعالى - أخبرهم بكتابة الملكين لأعمالهم ، وبقعودهم عن اليمين والشمال من غير أن رأى أحد من البشر إياهم ، ولا رأى كتابهم ، ولا سمع صوت كتابتهم ، وقد أقدرهم على العلم بما في ضمائرهم وكتابة ذلك كله ، وأقدرهم على رؤيتنا ، ولم يقدرنا على رؤيتهم ، وهم أجسام مرئية ؛ ليعلموا بذلك قدرة اللّه - تعالى - على ما شاء من الفعل ، وألا يقدروا قوة كل خلق اللّه - تعالى - بقوة أنفسهم ، ولا رؤية غيرهم برؤية أنفسهم ، وأن قوة الرؤية تختلف باختلاف الأوقات والأشخاص ، فإن الملائكة يروننا ولا نراهم في الدنيا ، وإن كانوا أجساما مرئية ؛ حيث يرى بعضهم بعضا .
ثم أخبر وقال :
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً
[ الإسراء : 13 ] أخبر أنه يرى ذلك الكتاب في الآخرة ، وإن كان لا يراه في الدنيا ، وكذا يرى الملائكة في الآخرة ؛ وهذا لأن هذه البنية لا تحتمل أشياء لضعف فيها ، وبحجاب يكون في ذلك في الدنيا ، ثم يحتمل أن تكون في الآخرة أقوى في احتمال ذلك ؛ فتبصر في الآخرة .
وفي هذا ردّ قول المعتزلة في إنكارهم رؤية اللّه - تعالى - أنه لو كان يرى في كل مكان على ما يرى الملائكة في الآخرة دون الدنيا ونحو ذلك ، فعلى ذلك رؤية اللّه .
ثم قراءة العامة :
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ
، وقرأ ابن مسعود - رضي اللّه عنه - :
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ
فعلى قراءته يخرج تأويل الآية على وجه واحد ؛ أي : يأخذ الملكان عن بني آدم ما فعلوا وقالوا « 1 » .
[ و ] على قراءة العامة يخرج على وجهين :
أحدهما : أن يأخذ الملكان عنه ما أدى إليهما من قول أو فعل .
والثاني : أن يتلقى أحد الملكين عن الآخر ما ألقى عليه ذلك الملك ؛ على ما روي عن أبي أمامة - رضي اللّه عنه - أنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « صاحب اليمين [ أمير ] على صاحب الشمال ، وإذا عمل العبد سيئة ، قال له صاحب اليمين : أمسك ، فيمسك عنه سبع
هامش
( 1 ) كأن هذا على عدم ورود « قعيد » في قراءته .